وذهب الفراء في قول آخر له الى عد (رحمة) مفعولا به لـ (مرسلين) مضمنا (رحمة) ، الدلالة على محمد (- صلى الله عليه وسلم -) ، وقد احتج أبو حيان لهذا التخريج عادا الرحمة موصوفة بهذا الارسال، اخذا بقوله (- سبحانه وتعالى -) : {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} [1] وتخريجها هذا على"انا كنا مرسلين محمدا (- صلى الله عليه وسلم -) "، امر متحقق لأن المفاعيل خلا المفعول به ومعه معان، لذلك صح التخريج.
وللأخفش تخريج اخر، يحمل رحمة فيه على الحال، مقدرا اياها على راحمين، وصاحبها عنده ضمير الفاعل في (انزلناه) ، وخالفه الطوسي مقدرا الحال على ذوي رحمة، وصاحبها الضمير في (مرسلين) [2] واعتقد ان قول الفراء اسلم لما قلناه عن ... (انزلناه) سالفا.
وينسب النحاس قولا خلافيا اخر الى اخرين يجعلون (رحمة) بدلا من (امرا) ، واخذ به الانباري وآخرون [3] ، وهو بدل مصدر من مصدر، وكلاهما معنى، مختلفان في الدلالة، المبدل منه مذكر والبدل مؤنث ولم يُشر في احكام البدل الى ابدال المؤنث من المذكر ولا عكسه كما اشاروا الى ابدال النكرة من المعرفة وكذلك عكسه، ولكن ماورد مقاربا لهذا عند ابن عصفور يلامس هذا قليلا وإن لم يفصح عنه، فقد اشار الى ان البدل لا يتبع المبدل منه الا في الاعراب خلافا للنعوت، ورأي في مثالين اوردهما لبيان فائدة البدل، اولهما؛ مررت بمحمد رجل، مشيرا الى ان هذا مفيد لأن محمدا قد تسمى به امرأة، فكأنك بهذا قد ميزت، وليس هذا متحققا الا مع الصفات العامة والاسماء العامة، كالقارئ ابي جعفر، او كالام عائشة (رضي الله عنها) ، وهكذا مع غيرهما من القراء والامهات، ومثاله الثاني قول الشاعر:
لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثات في انيابها شنب [4]
(1) فاطر: 2، وينظر: معاني الفراء: 3/ 39، اعراب النحاس: 3/ 108، المشكل: 2/ 654، التبيان للطوسي: 2/ 1144، البيان للانباري: 2/ 357، البحر: 8/ 34.
(2) ينظر: معاني الاخفش: 2/ 475، معاني الزجاج: 4/ 424، اعراب النحاس: 3/ 108، المشكل: 2/ 654، التبيان للطوسي: 2/ 1144، البيان للانباري: 2/ 357.
(3) ينظر: اعراب النحاس: 3/ 108، المشكل: 2/ 654، البيان للانباري: 2/ 357.
(4) ديوان ذي الرمة 1/ 32.