ومن هنا فإن الواجب علينا أننا إذا وجدنا في كلام المؤمنين إسنادُ شيءٍ لغير الله سبحانه وتعالى فإنه يجبُ حمله على المجاز العقلي،ولا سبيلَ إلى تكفيرهم إذ المجازُ العقليُّ مستعملٌ في الكتاب والسنَّة فصدور ذلك الإسناد من موحِّدٍ كافٍ في جعله إسنادًا مجازيًا ؛لأن الاعتقادَ الصحيح هو اعتقادُ أن الله هو الخالقُ للعباد وأفعالِهم لا تأثيرَ لأحد سواهُ لا لحيٍّ ولا لميِّتٍ،فهذا الاعتقادُ هو التوحيدُ بخلاف من اعتقدَ غير هذا فإنه يقعُ في الإشراك،وليس في المسلمين إطلاقًا من يعتقدُ لأحدٍ مع الله فعلٌ أو تركٌ أو رزقٌ أو إحياءٌ أو إماتةٌ،وما جاء من الألفاظ الموهِمة فإنَّ مقصودَ أصحابها هو الاستشفاعُ إلى الله بتلك الوسيلةِ،فالمقصودُ هو الله سبحانه وتعالى،وليس من المسلمين رجلٌ واحدٌ يعتقدُ فيمن يطلبُه أو يسألُه أنه قادر على الفعل والترك دون التفاتٍ إلى الله تعالى من قريبٍ أو بعيدٍ،أو مع التفاتٍ هو أدنى إلى الشرك بالله،ونعوذُ بالله أن نرميَ مسلمًا بشركٍ أو كفرٍ من أجل خطأٍ أو جهلٍ أو نسيان أو اجتهاد،قال تعالى على لسان المؤمنين: « رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ» (286) سورة البقرة،وقد استجاب الله تعالى لهم [1]
ولقوله - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِى الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ » . [2]
ونحن نقولُ:إن كان كثيرٌ من هؤلاء يخطئون في التعبير بطلب المغفرة والجنة والشفاء والنجاح وسؤالهم ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مباشرة فإنه لا يخطئهم التوحيد،لأن المقصودَ هو الاستشفاعُ إلى الله بتلك الوسيلة فكأنه يقول:يا رسول الله ! اسأل اللهَ أن يغفر لي وأن يرحمني،وأنا أتوسل بك إليه في قضاء حاجتي وتفريج كربتي وتحقيق رغبتي .
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يستعينون به - صلى الله عليه وسلم - ويستغيثون ويطلبون منه الشفاعة ويشكون حالهم إليه من الفقر والمرض والبلاء والدَّين والعجز.
(1) - انظر صحيح مسلم (344 )
(2) - سنن ابن ماجه (2121) وهو صحيح لغيره