فإن قالوا:إن الممنوع إنما هو سؤالُ الأنبياء والصالحين من أهل القبور في برازخهم لأنهم غيرُ قادرين.
قلتُ:فإنهم أحياء قادرون على الشفاعة والدعاء،وحياتهم حياة برزخية لائقة بمقامهم يصحُّ بها نفعهم بالدعاء والاستغفار،والمنكر لذلك أخفُّ أحواله أنه جاهل بما كاد يلحق بالتواتر من سنَّته عليه الصلاة والسلام،الدالة على أن موتى المؤمنين لهم في حياتهم البرزخية العلم والسماع والقدرة على الدعاء وما شاء الله من التصرفات فما الظنُّ بأكابر أهل البرزخ من النبيين وسائر الصالحين ؟ .
وفي حديث الإسراء الصحيح بل المشهور - ما فعل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع خيرهم محمد - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة خلفه والخطب بين يديه - والدعاء له في السماوات - دلالة صريحة على أنهم أحياء يجتمعون بالأحياء بأمر الله وإرادته. حتى أن هذه الأمة المرحومة ما ظفرت بتخفيف خمسين صلاة إلى خمس في كل يوم وليلة إلا بعد إشارة كليم الله موسى بن عمران بها على الرسول،صلى الله عليهما وسلم،حيث انتفعت أمة محمد كلها بفعل سيدنا موسى عليه السلام دلالة على جواز أن ينتفع الحي بالميت والعكس [1] .
وبهذا يتبين أن المقصود من الحديث ليس ما توهموه فإنه فاسدٌ واضح الفساد كما تبين،وإنما المقصود منه الترهيب من سؤال الناس أموالهم بلا حاجة طمعًا فيها،والقناعة بما يسَّر الله ولو كان قليلًا،والتعفف عما لا تدعو إليه الحاجة مما بأيدي الناس،وأن يستغني بسؤال الله من فضله فإنه يحبُّ الملحين في الدعاء - والناس على العكس .
وفي هذا المعنى قيل:
لا تسألنَّ من ابن آدم حاجةً ... وسلْ الذي أبوابُه لا تحجبُ
اللهُ يغضبُ إن تركتَ سؤاله::وبنيَّ آدمَ حين يسأل يغضبُ [2]
فالمعنى - إنك إذا رأيت في يد أحد من المال ما أعجبك وطمحت إليه نفسك فلا تسأله ما في يده واستعن بسؤال الله من فضله - عن سؤال عبده فالحديث إرشاد إلى
(1) - انظر الحديث مفصلا في صحيح البخاري (349 )
(2) - غرر الخصائص الواضحة - (ج 1 / ص 161) والمستطرف في كل فن مستظرف - (ج 1 / ص 289)