أما قوله - صلى الله عليه وسلم -:"وإذا سألت فاسأل الله"..فإنه لا مستمسك فيه ولا دليل لمنع السؤال أو التوسل،ومن فهم من ظاهره منع السؤال من الغير مطلقًا،أو منع التوسل بالغير على الإطلاق فقد أخطأ الطريق وغالط نفسه كل المغالطة،وذلك لأن من اتخذ الأنبياء والصالحين وسيلة إلى الله،لجلبِ خير منه عز وجل أو دفع شرٍّ كذلك،فهو ليس إلا سائلًا الله وحده أن ييسرَ له ما طلب أو يصرف عنه ما شاء متوسلًا إليه بمن توسَّل به،وهو في ذلك آخذٌ بالسبب الذي وضعه الله لينجح العبيد في قضاء حوائجهم منه عز وجل،ومن أخذ بالسبب الذي أمر الله بسلوكه لنيل جوده فما سأل السبب بل سأل واضعه،فقول القائل:يا رسول الله أريد أن ترد عيني أو يزول عنا البلاء أو أن يذهب مرضي،فمعنى ذلك طلب هذه الأشياء من الله بواسطة شفاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو كقوله:ادع لي بكذا واشفع لي في كذا،لا فرق بينهما إلا أن هذه أصرح في المراد من ذلك،ومثلهما في ذلك أوضح قول المتوسل:اللهم إني أسألك بنبيك أن تيسير لي كذا مما ينفع أو دفع كذا من الشر،فالمتوسِّل في ذلك كلِّه ما سأل في حاجته إلا الله عز وجل.
وبهذا تعلم أن الاحتجاج على منع التوسل بقوله عليه الصلاة والسلام: (إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ) .. هو مغالطةٌ في حمل الحديث على ما هو ظاهر الفساد،من أنه لا يصحُّ لأحد أن يسأل غير الله شيئًا،فإن من فهم هذا من الحديث فقد أخطأ الخطأ كله،ويكفي في بيان الخطأ،أن الحديث نفسه،إنما هو جواب منه عليه الصلاة والسلام لسؤال ابن عباس راوي الحديث بعد تشويق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسأله فإنه قال:يا غلام ! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن،فأيُّ تحريض على السؤال أجمل من هذا ؟
ولو جرينا على هذا الوهم،فإنه لا يجوز على مقتضاه،أن يسأل جاهل عالمًا،ولا واقع في مهلكة غوثًا،ممن تتوقف نجاته على إغاثته،ولا دائن مدينًا قضاء ما عليه،ولا مستقرضٌ قرضًا،ولما صحَّ للناس يوم القيامة أن يسألوا النبيين الشفاعة ولا صحَّ لنبي الله عيسى أن يأمرهم بسؤالها سيد المرسلين عليه وعليهم الصلاة والسلام،فإن الدليل على هذا الوهم الذي توهموه عام،يشملُ عدم صحة ما ذكر وما لم يذكر .