وبالله،فالمعنى:وإذا أردتَ الاستعانة بأحد من المخلوقين،ولابد لك منها فاجعل كل اعتمادك على الله وحده ولا تحجبنكَ الأسبابُ عن رؤية المسبِّبِ جلَّ جلالُه،ولا تكن ممن يعلمون ظاهرًا من هذه الارتباطات والعلاقات بين الأشياء المترتب بعضها على بعض،وهم عن الذي ربط بينها غافلون . وقد صرح هذا الحديث نفسه بهذا المعنى،وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام:"وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ"فأثبت لهم كما نرى نفعًا وضرًا بما كتبه الله للعبد أو عليه ،فهذا منه - صلى الله عليه وسلم - يوضح مراده .
وكيف ننكر الاستعانة بغيره،وقد جاء الأمر بها في مواضع كثيرة من الكتاب والسنة،قال تعالى:"وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ" (45) سورة البقرة،وقال:"وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ" (60) سورة الأنفال.
وحكي عن العبد الصالح ذي القرنين قوله:"قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا" (95) سورة الكهف،وفي مشروعية صلاة الخوف الثابتة بالكتاب والسنة مشروعية استعانة بعض الخلق ببعض،وكذا في أمره تعالى المؤمنين بأن يأخذوا حذرهم من عدوهم .
وكذا في ترغيبه عليه الصلاة والسلام للمؤمنين في قضاء حوائج بعضهم بعضًا،والتيسير على المعسر والتفريج عن المكروب،وفي ترهيبه من إهمال ذلك،وهو في السنة كثير،مثل ما روى سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ"الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ مَنْ كَانَ فِى حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِى حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". [1]
(1) -رواه مسلم،رقم ( 6743 ) .