فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 190

والثاني:أن يكون ذلك من باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: « مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ،بَلِ اللَّهُ حَمَلَكُمْ » [1] أي أنا وإن استغيث بي،فالمستغاثُ به في الحقيقة هو الله تعالى،وكثيرًا ما تجيء السنّة بنحو هذا من بيان حقيقة الأمر،ويجيء القرآن بإضافة الفعل إلى مكتسبه،كقوله - صلى الله عليه وسلم -:"لاَ يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ" [2] ،مع قوله تعالى:"ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (النحل:32) .

وقال - صلى الله عليه وسلم - لعلّي رضي الله عنه:"فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِىَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ" [3] . فسلكَ الأدب في نسبة الهداية إلى الله تعالى،وقد قال تعالى: «وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ» (24) سورة السجدة،فنسب الهداية إليهم،وذلك على سبيل الكسب،ومن هذا قوله تعالى لنبيّه - صلى الله عليه وسلم -: «وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ» (52) سورة الشورى.

وأمّا قوله تعالى: «إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» (56) سورة القصص،فالأحسن أن يكون المراد به التسليةُ،والحملُ عن قلب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في عدم إسلام عمّه أبي طالب !!! فكأنّه قد قيل: «أنت وفيت بما عليك،وليس عليك هدايته ; لأنّ ذلك ليس إليك،فلا تذهب نفسك عليه» .

وبالجملة:فإطلاق لفظ «الاستغاثة» بالنسبة لمن يحصل منه غوث ـ إمّا خلقًا وإيجادًا،وإمّا تسبّبًا وكسبًا ـ أمر معلوم لا شكّ فيه لغة وشرعًا،ولا فرق بينه وبين السؤال،فتعيّن تأويلُ الحديث المذكور- على فرض صحته- .

(1) - عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فِى رَهْطٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ فَقَالَ « وَاللَّهِ لاَ أَحْمِلُكُمْ ، وَمَا عِنْدِى مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ » . قَالَ ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ نَلْبَثَ ، ثُمَّ أُتِىَ بِثَلاَثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى فَحَمَلَنَا عَلَيْهَا فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا أَوقَالَ بَعْضُنَا وَاللَّهِ لاَ يُبَارَكُ لَنَا ، أَتَيْنَا النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - نَسْتَحْمِلُهُ ، فَحَلَفَ أَنْ لاَ يَحْمِلَنَا ثُمَّ حَمَلَنَا ، فَارْجِعُوا بِنَا إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَنُذَكِّرُهُ ، فَأَتَيْنَاهُ فَقَالَ « مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ ، بَلِ اللَّهُ حَمَلَكُمْ ، وَإِنِّى وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، إِلاَّ كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِى ، وَأَتَيْتُ الَّذِى هُوخَيْرٌ » . أَو « أَتَيْتُ الَّذِى هُوخَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِى » .صحيح البخاري (6623) ،الذرى:جمع الذروة وهى أعلى الشىء والمراد السنام = الذود:من الإبل ما بين الثنتين إلى التسع وقيل ما بين الثلاث إلى العشر

(2) - عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « سَدِّدُوا وَقَارِبُوا ، وَأَبْشِرُوا ، فَإِنَّهُ لاَ يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ » . قَالُوا وَلاَ ، أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: « وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِى اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ » . صحيح البخاري (6467 )

(3) - انظر الحديث مفصلا في صحيح البخاري (3009 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت