أنه لا يشفعُ أحدٌ إلا بإذنه سبحانه وتعالى،ولا يقعُ شيء إلا برضاه وتأييده كما هو نص الآيات.وإنما هذا كطلب دخول الجنَّة وطلب الشرب من الحوض المورود وطلب النجاة على الصراط،فكلها لا تحصلُ إلا بإذن الله،وفي وقتها الذي قدَّره الله تعالى لها،ولا يشكُّ في ذلك عاقلٌ أو يخفَى على مَن له أدنى معرفة . [1]
وأما الاستدلال بالحديث،فغير مسلَّم به أيضًا،فاللفظ المشهور عَنْ عُلَىِّ بْنِ رَبَاحٍ أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ يَقُولُ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:قُومُوا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « لاَ يُقَامُ لِى إِنَّمَا يُقَامُ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى » [2] .
بالرغم من جهالة أحد رواته،فليس في هذا اللفظ كلام عن الاستغاثة أصلًا،بل عن القيام،وهذه مسألةٌ أخرى .فإن صحّ الحديثُ فيحتملُ معاني:
أحدها:أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان قد أجرى على المنافقين أحكام المسلمين بأمر الله تعالى،فلعلّ أبا بكر ومن معه استغاثوا بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ليقتله،فأجاب بذلك ; بمعنى أنّ هذا من الأحكام الشرعيّة التي لم ينزل الوحي بها،وأمرها إلى الله تعالى وحده،والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - أعرف الخلق بالله تعالى،فلم يكن يسأل ربّه تغيير حكم من الأحكام الشرعيّة،ولا يفعل فيها إلاّ ما يؤمر به،فيكون قوله:"لا يستغاث بي"عامًّا مخصوصًا ; أي لا يستغاث بي في هذا الأمر ; لأنّه ممّا استأثر الله تعالى به.ولا شكّ أنّ من أدب السؤال أن يكون المسؤول عنه ممكنًا،فكما أنّا لا نسأل الله تعالى إلاّ ما هو في ممكن القدرة الإلهيّة [3] ،كذلك لا نسأل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلاّ ما يمكن أن يجيب إليه .
(1) - انظر كتاب مفاهيم يجب أن تصحح لابن علوي - (ج 1 / ص 32)
(2) - مسند أحمد برقم (23374) . قلت:وفي سنده رجلٌ مجهولٌ.
(3) - أي في ما قدّر الله تعالى إمكانَه، فلو قدّر امتناعَهُ فهو جار على ما قدّر من الامتناع، تعالى اللهُ أن يتناقض تقديره وفعله.