فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 190

وَالثَّانِي:أَنَّهُ يُرَادُ بِذَلِكَ نَفْيُ الشَّفَاعَةِ الَّتِي يُثْبِتُهَا أَهْلُ الشِّرْكِ وَمَنْ شَابَهَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ:مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّ لِلْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْقَدْرِ أَنْ يَشْفَعُوا عِنْدَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَمَا يَشْفَعُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عِنْدَ بَعْضٍ فَيَقْبَلُ الْمَشْفُوعُ إلَيْهِ شَفَاعَةَ شَافِعٍ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ رَغْبَةً وَرَهْبَةً،وَكَمَا يُعَامِلُ الْمَخْلُوقُ الْمَخْلُوقَ بِالْمُعَاوَضَةِ .

فَالْمُشْرِكُونَ كَانُوا يَتَّخِذُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَيُصَوِّرُونَ تَمَاثِيلَهُمْ فَيَسْتَشْفِعُونَ بِهَا وَيَقُولُونَ:هَؤُلَاءِ خَوَاصُّ اللَّهِ فَنَحْنُ نَتَوَسَّلُ إلَى اللَّهِ بِدُعَائِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ لِيَشْفَعُوا لَنَا كَمَا يُتَوَسَّلُ إلَى الْمُلُوكِ بِخَوَّاصِهِمْ لِكَوْنِهِمْ أَقْرَبَ إلَى الْمُلُوكِ مِنْ غَيْرِهِمْ،فَيَشْفَعُونَ عِنْدَ الْمُلُوكِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُلُوكِ،وَقَدْ يَشْفَعُ أَحَدُهُمْ عِنْدَ الْمَلِكِ فِيمَا لَا يَخْتَارُهُ فَيَحْتَاجُ إلَى إجَابَةِ شَفَاعَتِهِ رَغْبَةً وَرَهْبَةً . فَأَنْكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ فَقَالَ تَعَالَى: «.. مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ..» (البقرة:255) . [1]

ثم قال ابن تيمية:

فَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ الَّتِي أَثْبَتَهَا الْمُشْرِكُونَ لِلْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ حَتَّى صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ وَقَالُوا:اسْتِشْفَاعُنَا بِتَمَاثِيلِهِمْ اسْتِشْفَاعٌ بِهِمْ وَكَذَلِكَ قَصَدُوا قُبُورَهُمْ وَقَالُوا:نَحْنُ نَسْتَشْفِعُ بِهِمْ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ لِيَشْفَعُوا لَنَا إلَى اللَّهِ وَصَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ فَعَبَدُوهُمْ كَذَلِكَ،وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ أَبْطَلَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَذَمَّ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهَا وَكَفَّرَهُمْ بِهَا . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ نُوحٍ:"وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا" (نوح:23-25) . [2]

قلتُ:وفي هذا ردٌّ على ابن تيمية رحمه الله- ومن وافقه-لأنه قد بين أن الآيات تلك بحق الكفار وليست بحقِّ المسلمين.وهذا الذي ذكره ابن تيمية هو ما نعتقدُه بفضل الله،ونقول:إنَّ طالب الشفاعة منه - صلى الله عليه وسلم - إنِ اعتقدَ أو ظنَّ أنه - صلى الله عليه وسلم - يشفعُ بغير إذن الله فهذا شرك و ضلالٌ لا نشكُّ في ذلك ولا نرتابُ،ولكنه حاشا لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعتقد ذلك أو يظنَّه ونبرأَ إلى الله منه .وإننا حين نطلبُ الشفاعة،فإننا نعتقدُ تمام الاعتقاد

(1) - مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 1 / ص 34)

(2) - مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 1 / ص 34)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت