عاش عمر بفطرة نقية وقلب مؤمن،وحس صادق يتوقع الخير ويدعو إليه،كما كان قوى الملاحظة سريع البديهة حاضر الذهن،وقد بدت هذه الصفات جميعا في موافقة القرآن لرأيه في العديد من المواقف والأحداث حتى قال أحد أئمة التفسير الكبار: كان عمر يرى الرأى فينزل به القرآن.
وأخرج الشيخان ( البخارى ومسلم ) عن عمر قال:"وافقت ربى في ثلاث،قلت: يا رسول الله،لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) [سورة البقرة: ] ،وقلت: يا رسول الله،يدخل على نسائك البر والفاجر فلو أمرتهن يحتجبن،فنزلت آية الحجاب،واجتمع نساء النبى - صلى الله عليه وسلم - في الغيرة،فقلت: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن،فنزلت كذلك".
ووافق القرآن رأى عمر في أسرى غزوة بدر،وفى قصة الصلاة على عبد الله بن أبى بن سلول،ووافق القرآن رأيه في تحريم الخمر،إذ دعا عمر قائلا: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانا شافيا،فأنزل الله تحريمها.
ويروى عن عمر أيضا أنه قال: لما نزلت هذه الآية: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) [سورة التين: ] قلت: فتبارك الله أحسن الخالقين،فنزلت الآية ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) .
صار عمر بالإسلام قمة سامقة من قمم العطاء الإنسانى،عرف بشدته مع لين قلبه،وعرف بورعه وخوفه من الله،وحرصه على الصلاة التى هى عماد الدين،فكان يقوم الليل مصليا ومستغفرا وراجيا عفو ربه،وكأنه قد أتى عظائم الأمور،أو ارتكب كبائر الذنوب،وكان لعبادته وزهده في الدنيا أثر كبير،أظهر الله بسببه كرامات على يديه،وذلك مشهور في قصة سارية الجبل.
وأصبح عمر أميرا للمؤمنين،فكان ذكاؤه وفطنته في إدارة شؤون الدولة الإسلامية،وخاصة في مراقبة عماله،واهتمامه برعيته. وقضى عمر في الخلافة أكثر من عشر سنوات من العدل وتحمل المسئولية والحرص على صالح الإسلام و المسلمين.
كانت المؤاخاة ركنا أساسيا في بناء الدولة الإسلامية،ومبدأ إسلاميا أصيلا في بناء المجتمع،فالمهاجرون الذين تركوا أموالهم وأولادهم وأسرهم وبيوتهم،وهاجروا في سبيل الله،لابد أن تصاغ العلاقة بينهم وبين إخوانهم الأنصار بشكل منظم،وبرغم وجود الأخوة العامة في الدين بين كل المسلمين،حدد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكل واحد من صحابته أخا له من المهاجرين أو الأنصار.
وآخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الإطار بين وزيريه أبى بكر وعمر. وتروى كتب التاريخ أن رسول الله آخى بين عمر وبين آخرين من الصحابة،إلا أن أخوة أبي بكر وعمر هى التى ظهرت بشكل واضح في حياة الشيخين حتى تلازما في كل شيء ودفنا متجاورين بعد الموت.
جلس الشيخان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يحدثهم عن الصدقة ويأمرهم بها،وما إن انتهى رسول الله من حديثه حتى انطلق عمر تلقاء بيته،وهو يقول: اليوم أسبق أبا بكر،وأسرع المشى كأنه في سباق حقيقى،ولما وصل البيت فكر في أن يتصدق بجزء من ماله،ثم فكر في الأمر: ومن يضمن لى أن يتصدق أبو بكر بأكثر من هذا الجزء؟ وقرر أن يتصدق بنصف ماله كله.