منذ اللحظة الأولى لمبايعة عمر بن الخطاب بالخلافة وهو يفكر في هذه التركة المثقلة بالهموم،التى تركها له صاحباه رسول الله وخليفته الأول،خاصة وأن كثيرا من الصحابة يخشون شدته التى عرف بها واشتهر. وبعد تفكير غير طويل،حدد عمر منهاجه في الحكم،وحرص على أن يُعْلم به الناس حتى يطمئنهم،فصعد المنبر،وخطب في الناس،والمتأمل في خطاب عمر،يلحظ فيه ملامح هذا المنهاج واضحةً.
قال:"بلغنى أن الناس هابوا شدتى،وخافوا غلظتى،وقالوا قد كان عمر يشتد علينا ورسول الله بين أظهرنا،ثم اشتد علينا وأبو بكر والينا دونه،فكيف وقد صارت الأمور إليه،ومن قال ذلك فقد صدق.."
واستأنف قائلا:"ثم وليت أموركم أيها الناس،فاعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت،ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدى على المسلمين،فأما أهل السلامة والدين والقصد،فأنا ألين لهم من بعضهم لبعض.."
"ولكم على أيها الناس خصال أذكرها لكم فخذونى بها: لكم على ألا أجتبى شيئا من خراجكم ولا ما أفاء الله عليكم إلا من وجهه،ولكم علىَّ إذا وقع في يدي ألا يخرج منى إلا في حقه،ولكم على أن أزيد عطاياكم وأرزاقكم إن شاء الله تعالى،وأسد ثغوركم،ولكم على ألا ألقيكم في المهالك،ولا أجمِّركم في ثغوركم،وإذا غيبتكم في البعوث فأنا أبو العيال أي راعيهم".
يحسد الناس كثيرا أبناء الزعماء والقادة وأصحاب المناصب على ما هم فيه،فالسعادة - كما يتصورون - تكمن خلف هذا المنصب إلا أن من ينظر إلى حال أسرة عمر وهو"أمير المؤمنين"ورئيس أكبر دولة في العالم آنذاك،لن يَغبطهم ولن يحسدهم،بل سيشفق عليهم مما وصل إليه حالهم بسبب المنصب الكبير،حتى صارت قرابة عمر والانتماء لأسرته عبئا يود الأقرباء لو استطاعوا منه الفرار. لقد حمل عمر ورعه وشدة تحمله للمسئولية وخوفه من الشبهات على أن يحمل أسرته من المسئوليات أضعاف ما يحمله نظراؤهم من الناس.
بل ويحرمهم مما هو مباح لهم،خوفا من الشبهة،يقول ولده عبد الله: كان عمر إذا أراد أن ينهى الناس عن شيء تقدم إلى أهله،فقال: لا أعلمن أحدا وقع في شيء مما نهيت عنه إلا أضعفت له العقوبة.
ودخل يوما دار عبد الله فوجده يأكل شرائح لحم،وهو مباح له مثل كل الناس،ومع ذلك يقول له عمر:"ألأنك ابن أمير المؤمنين تأكل لحما،والناس في خصاصة،ألا خبزا وملحا؟ ألا خبزا وزيتا؟!"
كان عمر في اهتمامه برعيته،وإدراكه وإحساسه بالمسئولية نحوهم نموذجا وقدوة يحتذى،وضرب في ذلك أروع الأمثلة من خلال عشرات المواقف التى ترويها كتب التاريخ. وكان رضى الله عنه وهو يمشى ليلا في شوارع المدينة بجوار بيوتها يطمئن على أحوال رعيته،وخاصة الضعفاء منهم - كان يخفى شخصيته على من لا يعرفه،حتى يتمكن من خدمته بنفسه دون حرج.