العبقرية عند عمر،ويبدو ذلك واضحا من خلال إنجازاته طوال السنوات العشر التى ولى فيها،كما أظهرت الخلافة كثيرا من مناقبه وفضائله التى تحدثت عنها كتب السنة والتاريخ والآثار وسطرتها بأحرف من نور ...
ولقد كان عمر في الخلافة واضحا وحازما مع الجميع،وخاصة مع أسرته وأهله،وله في ذلك عشرات المواقف المضيئة في تاريخنا الإسلامى.
كان أخشى ما يخشاه أبو بكر على المسلمين من بعده الفرقة والاختلاف،لذلك أراد أن يحسم أمرا قد يكون سببا في الفتنة،ألا وهو اختيار من يخلفه،وخاصة وقد مرض مرض الموت،واقترب من الرحيل. واستخار أبو بكر الله تعالى في اختيار عمر للخلافة،ووقع هذا الاختيار من قلبه موضع رضى،ومع ذلك أراد أن يوثقه باستشارة خاصةِ المسلمين وأخيارهم،فدعا عبدَ الرحمن بن عوف وسأله عن رأيه في عمر - فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه،ثم دعا أبو بكر عثمان بن عفان فقال عثمان عن عمر: اللهم عِلْمى به أن سريرته خير من علانيته،وأنْ ليس فينا مثله. وشاور أبو بكر سعيد بن زيد وأسيد بن حضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار،فأيد الجميع اختياره لعمر. غير أن بعض الصحابة خافوا من شدة عمر،فدخلوا على أبى بكر قائلين: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا؟ فقال أبو بكر أقول:"اللهم استخلفت عليهم خير أهلك"!
منذ اللحظة الأولى لمبايعة عمر بن الخطاب بالخلافة وهو يفكر في هذه التركة المثقلة بالهموم،التى تركها له صاحباه رسول الله وخليفته الأول،خاصة وأن كثيرا من الصحابة يخشون شدته التى عرف بها واشتهر. وبعد تفكير غير طويل،حدد عمر منهاجه في الحكم،وحرص على أن يُعْلم به الناس حتى يطمئنهم،فصعد المنبر،وخطب في الناس،والمتأمل في خطاب عمر،يلحظ فيه ملامح هذا المنهاج واضحةً.
قال:"بلغنى أن الناس هابوا شدتى،وخافوا غلظتى،وقالوا قد كان عمر يشتد علينا ورسول الله بين أظهرنا،ثم اشتد علينا وأبو بكر والينا دونه،فكيف وقد صارت الأمور إليه،ومن قال ذلك فقد صدق.."
واستأنف قائلا:"ثم وليت أموركم أيها الناس،فاعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت،ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدى على المسلمين،فأما أهل السلامة والدين والقصد،فأنا ألين لهم من بعضهم لبعض.."
"ولكم على أيها الناس خصال أذكرها لكم فخذونى بها: لكم على ألا أجتبى شيئا من خراجكم ولا ما أفاء الله عليكم إلا من وجهه،ولكم علىَّ إذا وقع في يدي ألا يخرج منى إلا في حقه،ولكم على أن أزيد عطاياكم وأرزاقكم إن شاء الله تعالى،وأسد ثغوركم،ولكم على ألا ألقيكم في المهالك،ولا أجمِّركم في ثغوركم،وإذا غيبتكم في البعوث فأنا أبو العيال أي راعيهم".