الصفحة 12 من 604

لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأنس بأحد مثل أنسه بالله تعالى،فكان يُرى في ليله قائما،وفى نهاره صائما،شاغلا لسانه وقلبه على كل حال بذكر مولاه،فذاك طعام قلبه وشرابه وهواؤه الذى يتنفسه.. وفى رحلة الهجرة الصعبة بقى القلب النبوى على أنسه بالله وثقته به،غير أنه اختار واختار الله له واحدا من أصحابه،يهاجر معه،ويعيش في رفقته التجربة الخالدة نيابة عن أمته.. فهل يكون هذا الصاحب هو على بن أبي طالب بقرابته من رسول الله ونشأته بين يديه؟ أم حمزة عم رسول الله،وفارس قريش الشجاع؟ أم عمر بن الخطاب: ذلك الرجل القوى في الجاهلية والإسلام؟

إن الرحلة رحلة الهجرة بما فيها من صعوبات هائلة ومخاطر جمة كثيرة في حاجة إلى يقين في الله وحب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر من حاجتها إلى أى وصف أو شرط آخر،ومن يكون أقوى الناس في هذا من أبي بكر الصدّيق بدرِ الصحابة ونجمهم الوضّاء؟!

ذهبت ليلة وليال،وأتى نهار ونهارات،والأصحاب يهاجرون،منهم من يخفى هجرته ومنهم من يعلنها،ومنهم من ينجح في الخروج ومنهم من يحبسه قومه،وأبو بكر يتمنى لو أذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة كبقية إخوانه،لكن النبى يستمهله:"لا تعجل،لعل الله يجعل لك صاحبا".

وذات ظهيرة،وفى ساعة تخلو فيها طرقات مكة وسككها من المارة،أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر في داره،وفطن الصديق إلى أن الذى أتى برسول الله في هذه الساعة إنما هو أمر كبير،فأعد نفسه للإنصات وجهز قلبه وجوارحه للطاعة،وفى نفسه أمل لعل الله يحققه له الآن!! وفى حوار ملائكى بين القلوب بكى أبو بكر بين يدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أخبره بإذن الله له بالهجرة،وبأنه سيكون رفيقه فيها،ألا فلتبكِ أبا بكر فرحا بتحقق الأمل،ولتقل والدموع تملأ عينيك:"الصحبة يا رسول الله"؟!

حشدت قريش كل ما تملك لتمنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الهجرة ولتحول بينه وبين الخروج من مكة،مخافة أن يقوى سلطانه ويغلب على سلطانهم،فحشد لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معية ربه،وثقته في خالقه،ورتب لأمر الهجرة،واختار أبا بكر أعظمَ صاحب يرافقه في رحلة المصاعب والمخاطر.. وحشد الصديق لأمر الهجرة كل ما يملك: إيمانه ونفسه وماله وعياله وخدمه،وعلم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سيخدع المشركين بألا يتوجه إلى المدينة في الشمال مباشرة،بل سيميل إلى جبل ثور ليبقى في غار هناك حتى يخف طلب قريش له..

كان أبو بكر وابنه وابنته وخادمه أبطالا من نوع فريد،أحاطوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووضعوا أنفسهم في مواطن الخطر افتداء للدين والرسول.. فأما عبد الله بن أبي بكر فقد تولى متابعة أخبار المشركين وتدبيراتهم في منتديات مكة وبيوتها؛ لينقلها إلى رسول الله وصاحبه.

وأما أسماء بنت أبي بكر فهى امرأة وظفها الإسلام وأهملتها الجاهلية،فوقفت شامخة في وجه أبي جهل حينما أتى يسألها عن أبيها وصاحبه بعد خروجهما مهاجرين،فأنكرت معرفتها بشيء،ولطمها على وجهها لطمة شديدة،إلا أنها هزمته بكبريائها فانسحب من أمامها تشتمه المروءة والرجولة.. وراحت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت