فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 160

وفاعليته في الأرض،لم يجعل شيئا من هذا كله متعارضا مع سنته - سبحانه - ولا مناهضا لمشيئته،ولا خارجا كذلك عن الحكمة الأخيرة وراء قدره في هذا الكون الكبير ..ولكن جعل من سنته وقدره أن يقدر الإنسان ويدبر وأن يتحرك ويؤثر وأن يتعرض لسنة اللّه فتنطبق عليه وأن يلقى جزاء هذا التعرض كاملا من لذة وألم،وراحة وتعب،وسعادة وشقاوة ..وأن يتحقق من وراء هذا التعرض ونتيجته،قدر اللّه المحيط بكل شي ء،في تناسق وتوازن ..

وهذا الذي وقع في غزوة أحد،مثل لهذا الذي نقوله عن التصور الإسلامي الشامل الكامل.فقد عرف اللّه المسلمين سنته وشرطه في النصر والهزيمة.فخالفوا هم عن سنته وشرطه،فتعرضوا للألم والقرح الذي تعرضوا له ..ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد،فقد كان وراء المخالفة والألم تحقيق قدر اللّه في تمييز المؤمنين من المنافقين في الصف،وتمحيص قلوب المؤمنين وتجلية ما فيها من غبش في التصور،ومن ضعف أو قصور ..

وهذا بدوره خير ينتهي إليه أمر المسلمين - من وراء الألم والضر - وقد نالوه وفق سنة اللّه كذلك.فمن سنته أن المسلمين الذين يسلمون بمنهج اللّه ويستسلمون له في عمومه،يعينهم اللّه ويرعاهم،ويجعل من أخطائهم وسيلة لخيرهم النهائي - ولو ذاقوا مغبتها من الألم - لأن هذا الألم وسيلة من وسائل التمحيص والتربية والإعداد.

وعلى هذا الموقف الصلب المكشوف تستريح أقدام المسلمين وتطمئن قلوبهم،بلا أرجحة ولا قلق ولا حيرة،وهم يواجهون قدر اللّه،ويتعاملون مع سنته في الحياة وهم يحسون أن اللّه يصنع بهم في أنفسهم وفيمن حولهم ما يريده،وأنهم أداة من أدوات القدر يفعل بها اللّه ما يشاء،وأن خطأهم وصوابهم - وكل ما يلقونه من نتائج لخطئهم وصوابهم - متساوق مع قدر اللّه وحكمته،وصائر بهم إلى الخير ما داموا في الطريق: «وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ..وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ،وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا،وَقِيلَ لَهُمْ:تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا،قالُوا:لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ.هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ.يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ.وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت