فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 160

مِنْهُ،وَللهِ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ فِي ذَلِكَ،لأنَّ الشَّدَائِدَ تَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَةِ المُؤْمِنِينَ الذِينَ صَبَرُوا وَثَبَتُوا،وَلَمْ يَتَزَلْزَلُوا أَمَام العَدُوِّ .

وَالشَّدَائِدُ تُظهِرُ المَُاَفِقِينَ الذِينَ تَبَطَّنُوا بِالكُفْرِ،وَأَظْهَرُوا الإِيمَانَ،مِنْ جَمَاعَةِ ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ،الذِينَ رَجَعُوا إلَى المَدِينَةِ قَبْلَ المَعْرَكَةِ،فَلَحِقَ بِهِمْ رِجَالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَدْعُونَهُمْ لِلْعَوْدَةِ إلَى الصَّفِّ،وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى القِتَالِ وَمُسَاعَدَةِ المُسْلِمِينَ،وَإكْثَارِ عَدَدِهِمْ أمَامَ المُشْرِكِينَ ( أو ادْفَعُوا ) ،فَرَدُّوا مُتَعَلِّلِينَ:لَوْ نَعْلَمُ أنَّكُمْ سَتَلْقَونَ حَرْبًا لاتَّبَعْنَاكُمْ،وَلَكِنَّنَا فِي قُلُوبِهِمْ يَعْتَقِدُونَ غَيْرَهُ.وَهُمْ حِينَما قَالُوا هَذَا القَوْل كَانُوا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أقرْبَ لِلْكُفْرِ مِنْهُمْ إلَى الإِيمَانِ،وَاللهُ أعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ فِي قُلُوبِهِمْ وَفِي نُفُوسِهِمْ مِنَ الكُفْرِ وَالكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ،وَسَيُعَاقِبُهُمْ عَلَيهِ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ .

وَهَؤُلاءِ المُنَافِقُونَ الذِين قَعَدُوا عَنِ الجِهَادِ،هُمُ الذِينَ قَالُوا عَنْ إِخْوَانِهِم الذِينَ قُتِلُوا فِي المَعْرَكَةِ:لَوْ سَمِعُوا مَشُورَتَنَا فِي القُعُودِ،وَعَدَمِ الخُرُوجِ لَمَا قُتِلُوا مَعَ مَنْ قُتِلَ .وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ مُسْتَنْكِرًا قَوْلَهُمْ هَذَا:قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ:لَوْ كَانَ القُعُودُ يَسْلَمُ بِهِ الشَّخْصُ مِنَ القَتْلِ وَالمَوْتِ،فَيَنْبَغِي عَلَيْكُمْ إلاَّ تَمُوتُوا.وَلَكِنَّ المَوْتَ آتٍ لاَ بُدَّ مِنْهُ،فَادْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي قَوْلِكُمْ [1] .

لقد كتب اللّه على نفسه النصر لأوليائه،حملة رايته،وأصحاب عقيدته ..ولكنه علق هذا النصر بكمال حقيقة الإيمان في قلوبهم وباستيفاء مقتضيات الإيمان في تنظيمهم وسلوكهم وباستكمال العدة التي في طاقتهم،وببذل الجهد الذي في وسعهم ..فهذه سنة اللّه.وسنة اللّه لا تحابي أحدا ..فأما حين يقصرون في أحد هذه الأمور،فإن عليهم أن يتقبلوا نتيجة التقصير.فإن كونهم مسلمين لا يقتضي خرق السنن لهم وإبطال الناموس.فإنما هم مسلمون لأنهم يطابقون حياتهم كلها على السنن،ويصطلحون بفطرتهم كلها مع الناموس.

ولكن كونهم مسلمين لا يذهب هدرا كذلك،ولا يضيع هباء.فإن استسلامهم للّه،وحملهم لرايته،وعزمهم على طاعته،والتزام منهجه ..من شأنه أن يرد أخطاءهم وتقصيرهم خيرا وبركة في النهاية - بعد استيفاء ما يترتب عليها من التضحية والألم والقرح - وأن يجعل

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 459)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت