فأحيانًا لا يصل الحديث إلى مجتهد ما، فيفتي بمقتضى ظاهر آية أو حديث آخر، أو بقياس على مسألة سبق فيها من رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - قضاء، أو بمقتضى استصحاب للحال السابقة (115) ، أو بمقتضى أن الأصل البراءة وعدم التكليف (116) ، أو بموجب أي وجه معتبر من وجوه الاجتهاد.
وقد يصل - في الواقعة موضع البحث - إلى مجتهد آخر حديث، فيفتي بمقتضاه فتختلف فتياهما.
وأحيانًا يصل الحديث إلى المجتهد، ولكنه يرى فيه علة تمنع من العمل بمقتضاه، كاعتقاده عدم صحة إسناده إلى رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - لوجود مجهول أو متهم، أو سيئ الحفظ في سلسلة إسناده، أو لانقطاعه أو إرساله، أو لكونه يشترط في خبر الواحد العدل الحافظ شروطًا لا يشترطها غيره، فيعمل أحدهما بالحديث، لأن له طريقًا صحيحًا متصلًا عده، ولا يعمل الآخر بمقتضاه لعلَّة من العلل المذكورة، فتختلف الأقوال.
وقد تختلف أقوال العلماء لاختلاف آرائهم في معاني الحديث ودلالته، وذلك كاختلاف أقوالهم في مسائل:"المزابنة" (117) و"المخابرة" (118) و"المحاقلة" (119) و"الملامسة" (120) و"المنابذة" (121) و"الغرر" (122) لاختلافهم في تفسيرها.
وقد يصل الحديث لبعضهم من طريق بلفظ، ويصل لمجتهد آخر بلفظ مغير وذلك كأن يُسقط أحدهما من الحديث لفظًا لا يتم المعنى إلا به، أو يتغير معنى الحديث بسقوطه.
وقد يصل الحديث إلى أحد المجتهدين مقترنًا بسبب وروده، فيحسن فهم المراد منه، ويصل إلى آخر من غير سبب وروده، فيختلف فهمه له.
وقد يسمع راو بعض الحديث، ويسمع الآخر الحديث كاملًا. وقد ينقل الحديث من كتاب بلفظ مصحّف أو متغير، ويبني عليه، وينقله آخر بلفظ لم يدخله شيء من ذلك فتختلف الأقوال بناء على ذلك، وقد يصح الحديث عند المجتهد ولكنه يعتقد أنه معارض بما هو أصح منه أو أقوى، فيرجح الأقوى، أو لا يتضح له أقوى الدليلين، فيتوقف عن الأخذ بكل منهما، حتى يظهر له مرجح.