الأول: أن لكل من المختلفين دليلًا يصح الاحتجاج به، فما لم يكن له دليل يحتج به سقط، ولم يعتبر أصلًا.
الثاني: ألاّ يؤدي الأخذ بالمذهب المخالف إلى محال أو باطل، فإن كان ذلك بطل منذ البداية، ولم يسع لأحد القول به بحال، وبهذين الأمرين يغير"الاختلاف""الخلاف".
فالاختلاف ما توافر فيه الشرطان المذكوران، وهو مظهر من مظاهر النظر العقلي والاجتهاد، وأسبابه منهجية موضوعية في الغالب.
أما الخلاف فهو الذي يفقد الشرطين أو أحدهما، وهو مظهر من مظاهر التشنج والهوى والعناد، وليس له من سبب يمت إلى الموضوعية.
أسباب الاختلافات الفقهية في عصر الفقهاء:
حرص الفقهاء الذين أجمعت الأمة على الأخذ بمذاهبهم، على التزام الشرطين السابقين، وقد اختلف الناس في تحديد أسباب الاختلافات الفقهية في هذا العصر اختلافًا بيِّنًا: فمن مكثر في ذكر هذه الأسباب إلى مقتصد فيها، ومع ذلك فإن من الممكن إعادة
هذه الأسباب إلى الأمور التالية:
1-أسباب تعود إلى اللغة:
وذلك كأن يرد في كلام الشارع لفظ مشترك، وهو ما وضع لمعان متعددة ومختلفة، كلفظة"عين"التي تستعمل في الباصرة والجارية، وفي الذهب الخالص، وفي الرقيب، وغيرها من المعاني.
فإذا وردت في كلام الشارع مجردة عن القرينة، تساوت المعاني التي وضعت لها - في احتمال كون كل منها مرادًا - فيختلف المجتهدون في حمل ذلك اللفظ على أي من معانيه التي وضع لها، أو عليها كلها.
فقد اختلف الفقهاء في مراد الشارع من لفظ"القرء"في قوله - تعالى: (( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ ) ) (البقرة: 228) . فلفظ"القرء"مشترك بين الطهر والحيض، فاختلف الفقهاء في عدة المطلقة أتكون بالحيض أم بالأطهار؟ فذهب الحجازيون - منهم - إلى أن عدة المطلقة ثلاثة أطهار، وذهب العراقيون إلى أنها ثلاث حيض (107) .