قد يخاصمك إنسان في قضية أساليب الدعوة إلى الله تعالى، هل هي توقيفية، أي لابد أن يكون فيه نص على أسلوب الدعوة؟ أم أنها أساليب اجتهادية متجددة، يمكن أن آخذ بأي أسلوب، ولو لم يكن منصوصًا عليه، إذا لم يكن هذا الأسلوب حرامًا؟
مثال: النشيد، قد يقول قائل: إن النشيد أسلوب من أساليب الدعوة، ويقول آخر: لا. أساليب الدعوة توقيفية، والنشيد ما ورد في الكتاب ولا في السنة، فلا يجوز استخدام النشيد كأسلوب من أساليب الدعوة، وهذا يختلف فيه بعض العلماء والدعاة في هذا العصر، ويتحاورون فيه.
والنقاش حول مشروعية النشيد كأسلوب للدعوة، قد يكون موضوعًا جزئيًّا شكليًّا، ولكن لا مانع من ذكره للإيضاح فقط، فأرى أن تبدأ النقاش بهذا السؤال: لو أن إنسانًا أنشد نشيدًا ليس فيه معصية ولا كلام باطل محرم، وغير مصحوب بدف ولا مزمار ولا غيره، وهذا الكلام أنشده على سبيل الترويح عن النفس، أو المؤانسة، أو قطع عناء الطريق في سفر؛ هل هذا يحرم أم لا؟
سيقول لك الطرف الآخر: لا يحرم؛ بل هو طيب، ثم تنتقل وتسأله سؤالًا آخر: هل يوجد شيء في الشريعة يكون مباحًا غير حرام بشرط عدم إصلاح النية فيه، فإذا صلحت النية كان هذا الشيء حرامًا ؟ سيقول لك: لا.
إذًا: فمن أين لك أن قراءة بعض الأناشيد بنية صالحة؛ بهدف إشغال الناس -مثلًا- عن الغناء المحرم، أو رفع معنوياتهم، أو تلقينهم الحكم، والمعاني الرفيعة؛ أن هذا العمل يكون حرامًا؟!
قد يقول البعض: إن هذا عبادة والعبادة توقيفية، فيقال: من أين لك أن هذا داخل في باب العبادة التي هي القربى؟
إن العبادة أنواع: فقد تطلق العبادة على العبادات التوقيفية، التي هي القرب كالصلاة -مثلًا- والحج، فإحداث صفة جديدة للصلاة أو الحج لا يجوز؛ بل هو بدعة؛ لأن الصلاة توقيفية، وهي قُربة محضة إلى الله تعالى.