فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 309

مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ اسْتَخَارَ اللَّهَ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ عَامَهُ ذَلِكَ لِضِيقِ الْحَالِ وَضَعْفِ النَّاسِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَقَدِ استدلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَن يَرَى أَنَّهُ لَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ مِنْ أَشْبَاهِهِمْ كَالْمَجُوسِ، لِمَا صَحَّ فِيهِمُ الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ -فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ -وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: بَلْ تُؤْخَذُ مِنْ جَمِيعِ الْأَعَاجِمِ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.

وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: بَلْ يَجُوزُ أَنْ تُضْرَبَ الْجِزْيَةُ عَلَى جَمِيعِ الْكُفَّارِ من كتابيٍّ، ومجوسي، ووثني، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلِمَأْخَذِ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ وَذِكْرِ أَدِلَّتِهَا مَكَانٌ غَيْرُ هَذَا، واللَّهُ أَعْلَمُ. [1]

هَذَا وَلَمْ يَأْخُذْ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - جِزْيَةً مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْكُفَّارِ قَبْل نُزُول آيَةِ الْجِزْيَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَهَا مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَمَجُوسِ هَجَرَ، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْ أَهْل أَيْلَةَ، وَأَذْرُحَ، وَأَهْل أَذْرِعَاتٍ وَغَيْرِهَا مِنَ الْقَبَائِل النَّصْرَانِيَّةِ الَّتِي تَعِيشُ فِي أَطْرَافِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ. [2]

وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، الَّذِينَ صَالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الْجِزْيَةِ، أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ، لَيْسَتْ عَلَيَّ جِزْيَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: لَأَنْتَ مُتَعَوِّذٌ بِالْإِسْلَامِ مِنَ الْجِزْيَةِ؟،فَقَالَ: الرَّجُلُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كُنْتُ مُتَعَوِّذًا بِالْإِسْلَامِ مِنَ الْجِزْيَةِ - كَمَا تَقُولَ - أَمَا فِي الْإِسْلَامِ مَا يُعِيذُنِي؟ قَالَ: فَوَضَعَ عَنْهُ الْجِزْيَةَ" [3] "

وقال ابن القيم:"وَأَمَّا هَدْيُهُ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْكُفَّارِ جِزْيَةً إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ (سُورَةِ بَرَاءَةٌ) فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْجِزْيَةِ، أَخَذَهَا مِنَ الْمَجُوسِ، وَأَخَذَهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَخَذَهَا مِنَ النَّصَارَى، وَبَعَثَ معاذا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"

(1) - تفسير ابن كثير ت سلامة (4/ 132) وانظر زاد المعاد في هدي خير العباد 2/ 88 - دار إحياء التراث العربي ببيروت

(2) - نجران (بفتح النون وسكون الجيم وفتح الراء) :بلدة ما بين مكة واليمن على نحو سبع مراحل من مكة (تهذيب الأسماء واللغات للنووي 3/ 176) .

(3) - الأموال لابن زنجويه (1/ 172) (185) صحيح مرسل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت