وفي السنن الكبرى للبيهقي (ج 4 / ص 132) (7748) فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِى أَخْبَرْنَاهُ أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِىُّ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِىٍّ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى السَّرْخَسِىُّ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَنبَسَةَ حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَن حَمَّادٍ عَن إِبْرَاهِيمَ عَن عَلْقَمَةَ عَن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « لاَ يَجْتَمِعُ عَلَى الْمُسْلِمِ خَرَاجٌ وَعُشْرٌ » . {ج} فَهَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ وَصَلُهُ وَرَفْعُهُ وَيَحْيَى بْنُ عَنبَسَةَ مُتَّهَمٌ بِالْوَضْعِ. قَالَ أَبُو سَعْدٍ قَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِىٍّ إِنَّمَا يَرْوِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ عَن حَمَّادٍ عَن إِبْرَاهِيمَ مِن قَوْلِهِ. رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ عَنبَسَةَ عَن أَبِى حَنِيفَةَ فَأَوْصَلَهُ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: وَيَحْيَى بْنُ عَنبَسَةَ مَكْشُوفُ الأَمْرِ فِى ضَعْفَهِ لِرِوَايَاتِهِ عَنِ الثِّقَاتِ بِالْمَوْضُوعَاتِ.
وفي شعب الإيمان للبيهقي (8633 ) أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ السُّكَّرِيُّ ، قَالَ: أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُؤَمَّلِ ، قَالَ: نا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ ، قَالَ: نا النُّفَيْلِيُّ ، قَالَ: نا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَن طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَن ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَن أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَن جَابِرٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لَا تُسَلِّمُوا تَسْلِيمَ الْيَهُودِ ، وَالنَّصَارَى ، فَإِنَّ تَسْلِيمَهُمْ إِشَارَةٌ بِالْكُفُوفِ والْحَوَاجِبِ"."هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ بِمَرَّةٍ ، فَإِنَّ طَلْحَةَ بْنَ زَيْدٍ الرَّقِّيَّ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، مُتَّهَمٌ بِالْوَضْعِ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ضَعِيفٌ"، وَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ وَالْمَحْفُوظُ فِي حَدِيثِ صُهَيْبٍ ، وَبِلَالٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -:"أَنَّ الْأَنْصَارَ جَاءُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَكَانَ يُشِيرُ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ"، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ:"أَنَّهُ جَاءَ وَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ"وَفِي حَدِيثِ ابْنِ سِيرِينَ فِي قِصَّةِ ابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُصَلِّي:"فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ"، وَإِنَّمَا الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي ذَلِكَ عَن ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ كَمَا (8637 ) َخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ ، قَالَ: أنا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ ، قَالَ: نا ابْنُ أَبِي قَمَّاشٍ ، قَالَ: نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَن أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ ، عَن ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَن أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَن جَابِرٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"تَسْلِيمُ الرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ بِإِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ فِعْلُ الْيَهُودِ"."وَيُحْتَمَلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ كَرَاهِيَةَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْإِشَارَةِ فِي التَّسْلِيمِ دُونَ التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ التَّسْلِيمِ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ تَمْنَعُهُ مِنَ التَّكْلِيمِ"
أَوْ سَيِّئُ الْحِفْظِ ، وهذا يوجد في عديد من الرواة ، فقد يكون رواه بعد سوء حفظه فخالف الثقات أو وهم فيه ، ففي الضُّعَفَاءُ الْكَبِيرِ لِلْعُقَيْلِيِّ (1812 ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى ، يُحَدِّثُ عَن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ,"يُوتِرُ بِـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى , وَ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ , وَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ". قَالَ شُعْبَةُ: فَسَأَلْتُ سَلَمَةَ بْنَ كُهَيْلٍ ، فَحَدَّثَنِي عَن ذَرٍّ , عَنِ ابْنِ أَبْزَى , عَن أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - , نَحْوَهُ
(1813 ) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، عَن شُعْبَةَ قَالَ: أَفَادَنِي ابْنُ أَبِي لَيْلَى , عَن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ,"كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ". فَلَقِيتُ سَلَمَةَ فَسَأَلْتُهُ , فَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، قُلْتُ: إِنَّمَا أَفَادَنِي عَنكَ ، عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ، فَقَالَ: مَا ذَنْبِي إِنْ كَانَ يَكْذِبُ عَلَيَّ"."
قلت: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى كان سيء الحفظ [1]
وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ مُسْنَدًا بَل مُنْقَطِعًا ؛ ففي المستدرك (7156 ) عن حَسَّانَ بْن عَطِيَّةَ ، عَن أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا بِأَرْضِ مَخْمَصَةٍ ، فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنَ الْمَيْتَةِ ؟ قَالَ: إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا ، وَلَمْ تَغْتَبِقُوا ، وَلَمْ تُحْتِفُوا ، فَشَأْنُكُمْ بِهَا"هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ"تعليق الحافظ الذهبي في التلخيص: فيه انقطاع ( قلت: حسان بن عطية لم يدرك أبا واقد)
وفي السنن الكبرى للبيهقي (727) عَن سَعِيدٍ عَن قَتَادَةَ: أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَتَنَوَّرْ وَلاَ أَبُو بَكْرٍ وَلاَ عُمَرَ وَلاَ عُثْمَانَ [2] . وهو منقطع
وفي السنن الكبرى للبيهقي (5417) عَن مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: « إِنْ جَاءَ رَجُلٌ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا فَلْيَخْتَلِجْ إِلَيْهِ رَجُلًا مِنَ الصَّفِّ فَلْيَقُمْ مَعَهُ فَمَا أَعْظَمَ أَجْرَ الْمُخْتَلِجِ» .وَهُوَ مُنْقَطِعٌ. ومثله كثير
أَوْ لَمْ يَضْبُطْ لَفْظَ الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ قَدْ رَوَاهُ الثِّقَاتُ لِغَيْرِهِ بِإِسْنَادِ مُتَّصِلٍ بِأَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ يَعْلَمُ مِن الْمَجْهُولِ عِنْدَهُ الثِّقَةَ ، ففي السنن الكبرى للبيهقي (3620) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَخْبَرَنِى أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدُوسٍ قَالَ سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَلِيًّا يَعْنِى ابْنَ الْمَدِينِىِّ يَقُولُ فِى هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ سُفْيَانُ سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يَقُولُ أَخْبَرَنِى كَثِيرُ بْنُ كَثِيرٍ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّى وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ. قَالَ سُفْيَانُ: فَذَهَبْتُ إِلَى كَثِيرٍ فَسَأَلْتُهُ قُلْتُ: حَدِيثٌ تُحَدِّثُهُ عَن أَبِيكَ. قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِن أَبِى ، حَدَّثَنِى بَعْضُ أَهْلِى عَن جَدِّى الْمُطَّلِبِ. قَالَ عَلِىٌّ: قَوْلُهُ لَمْ أَسْمَعْهُ مِن أَبِى شَدِيدٌ عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ عُثْمَانُ يَعْنِى ابْنَ جُرَيْجٍ لَمْ يَضْبِطْهُ. {ت} قَالَ الشَّيْخُ وَقَدْ قِيلَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَن كَثِيرٍ عَن أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنِى أَعْيَانُ بَنِى الْمُطَّلِبِ عَنِ الْمُطَّلِبِ. وَرِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَحْفَظُ.
وكما في موطأ مالك (42 ) حَدَّثَنِى يَحْيَى عَن مَالِكٍ عَن صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَن سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ - مِن آلِ بَنِى الأَزْرَقِ - عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ - وَهُوَ مِن بَنِى عَبْدِ الدَّارِ - أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ » .
فهذا الحديث حصل خلاف كبير في أسانيده وصححه أكثر أهل العلم ،وَخَالف الْحَافِظ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر ، فَقَالَ فِي «تمهيده» : اخْتلف أهل الْعلم فِي إِسْنَاده . قَالَ: وَقَول البُخَارِيّ: صَحِيح . لَا أَدْرِي مَا هَذَا مِنهُ ؟ ! وَلَو كَانَ صَحِيحا عِنْده ، لأخرجه فِي كِتَابه . قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث لم يحْتَج أهل الحَدِيث بِمثل إِسْنَاده . قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي صَحِيح ؛ لِأَن الْعلمَاء تلقوهُ بِالْقبُولِ وَالْعَمَل بِهِ ، لَا يُخَالف [ فِي ] جملَته أحد (من) الْفُقَهَاء ، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي بعض مَعَانِيه [3] .
وقد ردَّ عليه الملقن ردًّا قويًّا في البدر المنير ، فقال [4] :"وَهَذَا الْكَلَام من الْحَافِظ أبي عمر فِيهِ نظر كَبِير ، لَا جرم أَن الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين تعقَّبه ، فَقَالَ فِي «شرح الإِلمام» : (قَوْله) : لَو كَانَ صَحِيحا لأخرجه (فِي كِتَابه) . غير لَازم ؛ لِأَنَّهُ (لم) يلْتَزم إِخْرَاج كل حَدِيث (صَحِيح) . وَأما قَوْله: لم يحْتَج أهل الحَدِيث بِمثل إِسْنَاده . فقد ذكرنَا فِي كتاب «الإِمام» وُجُوه التَّعْلِيل الَّتِي يُعلل بهَا الحَدِيث ."
قلت: وحاصلها - كَمَا قَالَ فِيهِ - أَنه يُعلل بأَرْبعَة أوجه:
أَحدهَا: الْجَهَالَة [ بِسَعِيد ] بن سَلمَة ، والمغيرة بن أبي بردة ، الْمَذْكُورين فِي إِسْنَاده ، وادَّعى أَنه لم يرو عَن سعيد غير صَفْوَان بن سليم ، وَلَا عَن الْمُغيرَة غير سعيد بن سَلمَة ،قَالَ الإِمام الشَّافِعِي: فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث من لَا أعرفهُ .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «السّنَن» : يحْتَمل أَن يُرِيد سعيد بن سَلمَة ، أَو الْمُغيرَة أَو كِلَاهُمَا .
وَالْجَوَاب: أَنه رَوَاهُ عَن سعيد غير صَفْوَان ، رَوَاهُ عَنهُ: الجُلاَح ، بِضَم الْجِيم ، وَتَخْفِيف اللَّام ، وَآخره حاء مُهْملَة . قَالَ أَبُو عبيد فِي كِتَابه «الطّهُور» : وَخَالف أَبُو الْأسود أَصْحَابه ، فَقَالَ: الجلاخ - بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة . انْتَهَى - كنيته: أَبُو كثير ، رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» من رِوَايَة قُتَيْبَة ، عَن لَيْث ، عَنهُ . وَلَفظه: «أنَّ نَاسا أَتَوا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالُوا: إنَّا نبعد فِي الْبَحْر ، وَلَا نحمل [ من المَاء ] إلاَّ الإِداوة والإِداوتين ، [ لأنَّا ] لَا نجد الصَّيْد حَتَّى نبعد ، فنتوضأ بِمَاء الْبَحْر ؟ فَقَالَ: «نعم ، إنَّه الحِلُّ ميتَته ، الطّهُور مَاؤُهُ» .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك» ، والحافظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه الْكَبِير» ، من طَرِيق: يَحْيَى بن بكير عَن اللَّيْث ، بِسَنَدِهِ ، وَلَفْظهمَا: «كُنَّا عِنْد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا ، فَجَاءَهُ صَيَّاد ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله ، إنَّنا ننطلق فِي الْبَحْر ، نُرِيد الصَّيْد فَيحمل أَحَدنَا (مَعَه) الإِداوة ، وَهُوَ يَرْجُو أَن يَأْخُذ الصَّيْد قَرِيبا ، فَرُبمَا وجده كَذَلِك ، وَرُبمَا لم يجد الصَّيْد حتَّى يبلغ من الْبَحْر مَكَانا لم يظنّ (أَن) يبلغهُ ، فَلَعَلَّهُ يَحْتَلِم ، أَو يتَوَضَّأ فإنْ اغْتسل أَو تَوَضَّأ بِهَذَا المَاء فَلَعَلَّ أَحَدنَا يُهْلِكُه الْعَطش ، فَهَل ترَى فِي مَاء الْبَحْر أَن نغتسل بِهِ ، أَو نَتَوَضَّأ (بِهِ) إِذا خفنا ذَلِك ؟ فَزعم أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اغتسلوا مِنهُ وَتَوَضَّئُوا بِهِ ، فَإِنَّهُ الطُّهُورُ مَاؤُهُ ، الحِلُّ ميتَته» .
قَالَ الْحَاكِم: قد احْتج مُسلم بالجلاح ، أبي كثير .
قلت: وَرَوَاهُ عَن الجلاح أَيْضا: يزِيد بن أبي حبيب ، وَعَمْرو بن الْحَارِث .
أما رِوَايَة عَمْرو: فَمن طَرِيق ابْن وهب ، وَأما رِوَايَة يزِيد: فَمن طَرِيق اللَّيْث عَنهُ ،وَأما الْمُغيرَة بن أبي بردة: فقد رَوَى عَنهُ يَحْيَى بن سعيد ، وَيزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي إِلَّا أَن يَحْيَى بن سعيد اخْتُلف عَلَيْهِ فِيهِ:
فَرَوَاهُ هشيم عَنهُ ، عَن الْمُغيرَة ، عَن رجل من بني مُدْلِج مَرْفُوعا .
وَرَوَاهُ حَمَّاد عَنهُ ، عَن الْمُغيرَة ، (عَن أَبِيه) ، عَن أبي هُرَيْرَة .ذكرهمَا الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» .
وَرِوَايَة يزِيد بن مُحَمَّد: أخرجهَا أَيْضا فِيهِ ، وَرَوَاهَا أَيْضا: أَحْمد بن عبيد الصَفَّار ، صَاحب «الْمسند» . وَمن جِهَته أخرجهَا الْبَيْهَقِيّ .
قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَندَه: (فاتفاق صَفْوَان والجلاح) ، مِمَّا يُوجب شهرة سعيد بن سَلمَة ، واتفاق يَحْيَى بن سعيد ، وَسَعِيد بن سَلمَة ، عَلَى الْمُغيرَة بن أبي بردة ، مِمَّا يُوجب شهرة الإِسناد ، فَصَارَ الإِسناد مَشْهُورا .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين: وَقد زِدْنَا عَلَى مَا ذكرنَا عَن ابْن مَندَه: رِوَايَة يزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي ، فتلخص أَن الْمُغيرَة رَوَى عَنهُ ثَلَاثَة ، فبطلت دَعْوَى التفرد الْمَذْكُور عَن سعيد وَصَفوَان .
قَالَ فِي «شرح الإِلمام» : فالجهالة فِي حق سعيد ترْتَفع بِرِوَايَة الجلاح وَصَفوَان عَنهُ ، وَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُور عِنْد الْمُحدثين: بِرَفْع الْجَهَالَة عَن الرَّاوِي . والجهالة مُرْتَفعَة عَن الْمُغيرَة بِرِوَايَة ثَلَاثَة عَنهُ كَمَا تقدم ، مَعَ كَونه مَعْرُوفا من غير الحَدِيث فِي مَوَاقِف (الحذر) فِي الحروب بالمغرب .
قَالَ: وَزَوَال الْجَهَالَة عَن سعيد بِرِوَايَة [ اثْنَيْنِ ] عَنهُ ، وَعَن الْمُغيرَة بِرِوَايَة ثَلَاثَة عَنهُ يَكْتَفِي بِهِ من لَا يرَى أَنه لابد من معرفَة حَال الرَّاوِي فِي الْعَدَالَة ، بعد زَوَال الْجَهَالَة عَنهُ ، فإنْ كَانَ المصححون لَهُ قد علموها عَلَى جِهَة التَّفْصِيل ، فَلَا إِشْكَال مَعَ ذَلِك ، وإلاَّ فَلَا يبعد اعتمادهم عَلَى تحري مَالك ، وإتقانه للرِّجَال أَو عَلَى الِاكْتِفَاء بالشهرة .
قلت: قد ثَبت ثِقَة سعيد بن سَلمَة ، والمغيرة بن أبي بردة (صَرِيحًا) ، (فإنَّ الإِمام أَبَا عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ وثقهما ، كَمَا نَقله عَنهُ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي «تهذيبه» ، وَكَذَلِكَ أَبُو(حَاتِم) ابْن حبَان ، ذكرهمَا فِي كتاب «الثِّقَات» ) .
وَرَوَى الْآجُرِيّ عَن أبي دَاوُد ، أَنه قَالَ: الْمُغيرَة بن أبي بردة مَعْرُوف . وأوضح ابْن يُونُس معرفَة عينه ، فارتفعت عَنهُمَا جَهَالَة الْحَال بِهَذَا ، وجهالة الْعين بِمَا تقدم . وينضم إِلَى ذَلِك تَصْحِيح الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين لَهُ: التِّرْمِذِيّ ، وَالْبُخَارِيّ ، وَابْن الْمُنْذر ، وَابْن خُزَيْمَة ، وَابْن حبَان ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَابْن مَندَه ، وَالْبَغوِيّ ، وَغَيرهم .
قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك» : (مثل هَذَا الحَدِيث) الَّذِي صَدَّر بِهِ مَالك كتاب «الْمُوَطَّأ» ، وتداوله فُقَهَاء الإِسلام من عصره إِلَى وقتنا هَذَا ، لَا يُردُّ بِجَهَالَة هذَيْن الرجلَيْن . قَالَ: عَلَى أَن اسْم الْجَهَالَة مَرْفُوع عَنهُمَا بمتابعات . فَذكرهَا بأسانيده ،وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «السّنَن» : الَّذِي أَقَامَ إِسْنَاده ثِقَة ، أودعهُ مَالك فِي موطئِهِ .
الْوَجْه الثَّانِي من التَّعْلِيل: الِاخْتِلَاف فِي اسْم سعيد بن سَلمَة .
فَقيل - كَمَا قَالَ الإِمام مَالك -: سعيد بن سَلمَة ، من (آل) ابْن الْأَزْرَق . وَقيل: عبد الله بن سعيد المَخْزُومِي . وَقيل سَلمَة بن سعيد .
وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ المخالفان لرِوَايَة مَالك (هما من رِوَايَة: مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، عَلَى الِاخْتِلَاف عَنهُ ، وَالتَّرْجِيح لرِوَايَة مَالك) - مَعَ جلالته ، وَعدم الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ - أولَى ،وَإِن كَانَ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر (قَالَ) : [ رُوَاة الْمُوَطَّأ ] اخْتلفُوا ، فبعضهم يَقُول: من آل بني الْأَزْرَق ، كَمَا قَالَ يَحْيَى . وَبَعْضهمْ يَقُول: من آل الْأَزْرَق . وَكَذَا قَالَ (القعْنبِي) . وَبَعْضهمْ يَقُول: من آل ابْن الْأَزْرَق ، كَذَلِك قَالَ [ ابْن ] الْقَاسِم ، وَابْن بكير . قَالَ ابْن عبد الْبر: وَهَذَا كُله مُتَقَارب غير (ضار) .
قلت: وَهَذَا الْوَجْه هُوَ الَّذِي اعتذر بِهِ الْبَيْهَقِيّ عَن الشَّيْخَيْنِ فِي عدم تخريجهما لهَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ فِي كتاب «الْمعرفَة» : (إنَّما) لم يخرجَاهُ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» لاخْتِلَاف وَقع فِي اسْم سعيد بن سَلمَة ، والمغيرة بن أبي بردة .
وَهَذَا غير ضار ؛ إِذْ قد زَالَت الْجَهَالَة عَنهُمَا عينا وَحَالا كَمَا تقدَّم ، فَلَا يضر حينئذٍ الِاخْتِلَاف فِي اسمهما .
الْوَجْه الثَّالِث من التَّعْلِيل: التَّعْلِيل بالإِرسال .
قَالَ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر: ذكر ابْن أبي عمر ، والْحميدِي ، والمخزومي ، عَن ابْن عُيَيْنَة ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن رجل من أهل الْمغرب - يُقَال لَهُ: الْمُغيرَة بن عبد الله بن أبي بردة -: «أنَّ نَاسا من بني مُدْلِج أَتَوا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله ! إنَّا نركب أَرْمَاثًا فِي الْبَحْر ...» وسَاق الحَدِيث بِمَعْنى حَدِيث مَالك ،قَالَ أَبُو عمر: هُوَ مُرْسل ، وَيَحْيَى بن سعيد أحفظ من صَفْوَان بن سليم ، وَأثبت من سعيد بن سَلمَة ، وَلَيْسَ إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث مِمَّا تقوم بِهِ عِنْد أهل الْعلم بِالنَّقْلِ حجَّة ؛ لِأَن فِيهِ رجلَيْنِ غير معروفين بِحمْل الْعلم .
وَأَرَادَ أَبُو عمر بِالرجلَيْنِ: سعيدًا والمغيرة ، وَقد تقدَّم رَدُّ جهالتهما ، وَأكْثر مَا بَقِي فِي هَذَا الْوَجْه - بعد اشتهار سعيد والمغيرة - تَقْدِيم إرْسَال الأحفظ ، عَلَى إِسْنَاد من دونه ، فإنَّ يَحْيَى بن سعيد أرْسلهُ من هَذَا الْوَجْه ، وَسَعِيد بن سَلمَة أسْندهُ ، وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة فِي الْأُصُول .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي « (شرح) الإِلمام» : وَهَذَا غير قَادِح عَلَى الْمُخْتَار عِنْد أهل الْأُصُول .
قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم ابْن عَسَاكِر - بعد أَن ذكر رِوَايَة من رَوَى عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة عَن أَبِيه وَقد جَوَّدَه عبد الله بن يُوسُف ، عَن مَالك ، عَن صَفْوَان ، سمع (الْمُغيرَة) أَبَا هُرَيْرَة ،وَأَيْضًا تقدم رِوَايَة مَالك وَمن تَابعه لعدم الِاضْطِرَاب فِيهَا ، عَلَى رِوَايَة يَحْيَى بن سعيد للِاخْتِلَاف عَلَيْهِ .
الْوَجْه الرَّابِع: التَّعْلِيل بِالِاضْطِرَابِ .
قد تقدم اتِّفَاق رِوَايَة مَالك ، وَيزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي ، والجلاح ، من جِهَة اللَّيْث ، وَعَمْرو بن الْحَارِث .
وَأما ابْن إِسْحَاق: فَرَوَاهُ عَن يزِيد ، عَن جلاح ، عَن عبد الله بن سعيد المَخْزُومِي ، عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة ، عَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - ،وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الدَّارمِيّ فِي «مُسْنده» كَذَلِك بالسند الْمَذْكُور (عَن أبي هُرَيْرَة) ، قَالَ: «أَتَى (رجال) من بني مُدْلِج إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، (فَقَالُوا) : يَا رَسُول الله ، إنَّا أَصْحَاب هَذَا الْبَحْر ، نعالج الصَّيْد عَلَى رِمْث ، فَنَعْزُب فِيهِ اللَّيْلَة والليلتين وَالثَّلَاث والأربع ، ونحمل مَعنا من العذب لشفاهنا ، فإنْ نَحن توضأنا بِهِ خشينا عَلَى أَنْفُسنَا ، وإنْ نَحن آثرنا بِأَنْفُسِنَا ، وتوضأنا من الْبَحْر ، وجدنَا فِي أَنْفُسنَا من ذَلِك ، فَخَشِينَا أَن لَا يكون طهُورا . فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «توضئوا مِنهُ ، فإنَّه الطَّاهِرُ ماؤُه ، (الحِلُّ) ميتَته» .
وَفِي رِوَايَة عَن ابْن إِسْحَاق: سَلمَة بن سعيد ، عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة حَلِيف بني عبد الدَّار ، عَن أبي هُرَيْرَة ، عَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - .
قَالَ البُخَارِيّ: وَحَدِيث مَالك أصح ،وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: اللَّيْث بن سعد أحفظ من مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، وَقد أَقَامَ إِسْنَاده عَن يزِيد بن أبي حبيب ، وَتَابعه عَلَى ذَلِك عَمْرو بن الْحَارِث عَن الجلاح ، فَهُوَ أولَى أَن يكون صَحِيحا ، وَقد رَوَاهُ يزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي ، عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة(نَحْو رِوَايَة من رَوَاهُ عَلَى الصِّحَّة .
وَالِاخْتِلَاف عَلَى يَحْيَى بن سعيد فِيهِ كَبِير ، وَقَالَ هشيم عَنهُ فِي رِوَايَة: عَن الْمُغيرَة بن أبي [ بَرزَة ] ). وَحمل التِّرْمِذِيّ الْوَهم عَلَى هشيم فِي ذَلِك ، وَحَكَاهُ عَن البُخَارِيّ ، فَقَالَ: وهم فِيهِ هشيم ، إنَّما هُوَ: ابْن أبي بردة ، وَقد رَوَاهُ أَبُو عبيد (عَن) هشيم عَلَى الصَّوَاب ، فقد يكون الْوَهم مِمَّن دونه""
(1) - تقريب التهذيب (6081) والكاشف (5000)
(2) - النُّورَةُ من الحجر الذي يحرق ويُسَوَّى منه الكِلْسُ ويحلق به شعر العانة قال أَبو العباس يقال انْتَوَرَ الرجلُ وانْتارَ من النُّورَةِ قال ولا يقال تَنَوَّرَ إِلا عند إِبصار النار"لسان العرب - (ج 5 / ص 240) "
(3) - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد - (ج 16 / ص 218)
(4) - البدر المنير - (ج 1 / ص 350)