وفي قوله تعالى: « وَسِراجًا مُنِيرًا » ـ إشارة أخرى إلى هذا الزواج ، أنار للمسلمين طريقهم إلى الحق في هذا الأمر الذي كان قد اختلط فيه الحق بالباطل .. وهذا القيد للشهادة وللسراج المنير ، هنا ، لا يمنع من إطلاقهما ، فالنبى شاهد قائم على كل حق وخير ، وهو ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ سراج منير ، يكشف كل باطل وضلال ..
قوله تعالى: « وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا » هو معطوف على محذوف تقديره: هذا فضل اللّه عليك ، فاهنأ به ، وبشر المؤمنين كذلك بأن لهم من اللّه فضلا كبيرا .. فهم أتباعك ، وأولياؤك .. فإذا كان لك ـ أيها النبي ـ هذا العطاء الجزيل من ربك ، فإن للمؤمنين حظا من عطاء ربهم ، وما كان عطاء ربك محظورا .." [1] "
"إنَّ وظيفة النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فيهم أن يكون «شاهِدًا» عليهم فليعملوا بما يحسن هذه الشهادة التي لا تكذب ولا تزور ، ولا تبدل ، ولا تغير. وأن يكون «مُبَشِّرًا» لهم بما ينتظر العاملين من رحمة وغفران ، ومن فضل وتكريم. وأن يكون «نَذِيرًا» للغافلين بما ينتظر المسيئين من عذاب ونكال ، فلا يؤخذوا على غرة ، ولا يعذبوا إلا بعد إنذار. «وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ» .. لا إلى دنيا ، ولا إلى مجد ، ولا إلى عزة قومية ، ولا إلى عصبية جاهلية ، ولا إلى مغنم ، ولا إلى سلطان أو جاه. ولكن داعيا إلى اللّه. في طريق واحد يصل إلى اللّه «بِإِذْنِهِ» .."
فما هو بمبتدع ، ولا بمتطوع ، ولا بقائل من عنده شيئا. إنما هو إذن اللّه له وأمره لا يتعداه. «وَسِراجًا مُنِيرًا» ..
يجلو الظلمات ، ويكشف الشبهات ، وينير الطريق ، نورا هادئا هاديا كالسراج المنير في الظلمات.
وهكذا كان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وما جاء به من النور. جاء بالتصور الواضح البين النير لهذا الوجود ، ولعلاقة الوجود بالخالق ، ولمكان الكائن الإنساني من هذا الوجود وخالقه ، وللقيم التي يقوم عليها الوجود كله ، ويقوم عليها وجود هذا الإنسان فيه وللمنشأ والمصير ، والهدف والغاية ، والطريق والوسيلة.
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (11 / 730)