الصفحة 11 من 139

وقد اختلف الفقهاء في جواز التداوى بالمحرم، والصحيح من آرائهم هو ما يلتقى مع قول الله في الآيات البينات السالفات، بملاحظة أن إباحة المحرم للضرورة مقصورة على القدر الذى يزول به الضرر وتعود به الصحة ويتم به العلاج، وللتثبت من توافر هذه الضوابط اشترط الفقهاء الذين اباحوا التداوى بالمرحم شرطين.

أحدهما أن يتعين التداوى بالمحرم بمعرفة طبيب مسلم خبير بمهنة الطب معروف بالصدق والأمانة والتدين، والآخر ألا يوجد دواء من غير المحرم ليكون، وألا يتجاوز به قدر الضرورة.

وقد أفتى ابن حجر المكى الشفاعى (نقل هذا ابن عابدين في حاشيته رد المحتار ج - 5 ص 456 في آخر كتاب الحظر والاباحة) حين سئل عمن ابتلى يأكل الأفيون والحشيش ونحوهما وصار حاله بحيث إذا لم يتناوله هلك.

أفتى بأنه إذا علم أنه يهلك فطعا حل له بل وجب لاضطراره لإبقاء روحه كالميتة للمضطر، ويجب عليه التدرج في تقليل الكمية التى يتناولها شيئا فشيئا حتى يزول اعتياده وهذا - كما تقدم - إذا ثبت بقول الأطباء الثقات دينا ومهنة أن معتاد تعاطى المخدرات يهلك بترك تعاطيها فجأة وكلية.

وترتيبا على هذا فإذا ثبت أن ضررا ماحقا محققا وقوعه بتعاطى المخدرات سواء كانت طبيعية أو مخلقة إذا انقطع فجأة عن تعاطيها جاز مداواته بإشراف طبيب ثقة متدين حتى يتخلص من اعتياده عليها كما أشار العلامة ابن حجر في فتواه المشار إليها، لأن ذلك ضرورة ولا إثم في الضرورات متى روعيت شروطها المنوه بها، إعمالا لنصوص القرآن الكريم في آيات الاضطرار سالفة الإشارة.

هذا وإنه مع التقدم العلمى في كيمياء الدواء لم تعد حاجة ملحة للتداوى بالمواد المخدرة المحرمة شرعا لوجود البديل الكيمائى المباح.

التواجد في مكان عد لتعاطى المخدرات وكان يجرى فيه تعاطيها كرم الله الإنسان ونأى به عن مواطن الريب والمهانة، وامتدح عباده الذين تجنبوا مجالس اللهو واللغو فقال سبحانه {والذين هم عن اللغو معرضون} المؤمنون 3، وقال {والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما} الفرقان 72، وقال {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه} القصص 55، وفى الحديث عن الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه (استماع الملاهى معصية والجلوس عليها فسق (وروى أبو داود في سننه عن ابن عمر رضى الله عنه قوله(نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر) والمستفاد من هذه النصوص أنه يحرم مجالسة مقترفى المعاصى أيا كان نوعها، لأن في مجالستهم إهدار لحرمات الله، ولأن من يجلس مع العصاة الذين يرتكبون المنكرات يتخلق بأخلاقهم السيئة، ويعتاد ما يفعلون من مآثم كشرب المسكرات والمخدرات كما يجرى على لسانه ما يتناقلونه من ساقط القول، ومن أجل البعد بالمسلم عن الدنايا وعن ارتكاب الخطايا كان إرشاد الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين في اختيار المجالس والجليس في قوله (من كتاب الترغيب والترهيب ص 49 و 50 ج - 4) (إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك (

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت