الواقعية والروحية من مسافة.ولكن البشرية أخذت من يومها تقرب شيئا فشيئا من آفاق هذه المبادئ.فتزول غرابتها في حسها،وتتبناها وتنفذها ولو تحت عنوانات أخرى.
لقد جاء الإسلام لينادي بإنسانية واحدة تذوب فيها الفوارق الجنسية والجغرافية.لتلتقي في عقيدة واحدة ونظام اجتماعي واحد ..وكان هذا غريبا على ضمير البشرية وتفكيرها وواقعها يومذاك.والأشراف يعدون أنفسهم من طينة غير طينة العبيد ..ولكن ها هي ذي البشرية في خلال نيف وثلاثة عشر قرنا تحاول أن تقفو خطى الإسلام،فتتعثر في الطريق،لأنها لا تهتدي بنور الإسلام الكامل.ولكنها تصل إلى شيء من ذلك المنهج - ولو في الدعاوى والأقوال - وإن كانت ما تزال أمم في أوربا وأمريكا تتمسك بالعنصرية البغيضة التي حاربها الإسلام منذ نيف وثلاث مائة وألف عام.
ولقد جاء الإسلام ليسوي بين جميع الناس أمام القضاء والقانون.في الوقت الذي كانت البشرية تفرق الناس طبقات،وتجعل لكل طبقة قانونا.بل تجعل إرادة السيد هي القانون في عهدي الرق والإقطاع ..
فكان غريبا على ضمير البشرية يومذاك أن ينادي ذلك المنهج السابق المتقدم بمبدأ المساواة المطلقة أمام القضاء ..
ولكن ها هي ذي شيئا فشيئا تحاول أن تصل - ولو نظريا - إلى شيء مما طبقة الإسلام عمليا منذ نيف وثلاث مائة وألف عام.
وغير هذا وذلك كثير يشهد بأن الرسالة المحمدية كانت رحمة للبشرية وأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - إنما أرسل رحمة للعالمين.من آمن به ومن لم يؤمن به على السواء.فالبشرية كلها قد تأثرت بالمنهج الذي جاء به طائعة أو كارهة،شاعرة أو غير شاعرة وما تزال ظلال هذه الرحمة وارفة،لمن يريد أن يستظل بها،ويستروح فيها نسائم السماء الرخية،في هجير الأرض المحرق وبخاصة في هذه الأيام.
وإن البشرية اليوم لفي أشد الحاجة إلى حس هذه الرحمة ونداها.وهي قلقة حائرة،شاردة في متاهات المادية،وجحيم الحروب،وجفاف الأرواح والقلوب ..