ولقد وضع هذا الكتاب أصول المنهج الدائم لحياة إنسانية متجددة.وترك للبشرية أن تستنبط الأحكام الجزئية التي تحتاج إليها ارتباطات حياتها النامية المتجددة،واستنباط وسائل تنفيذها كذلك بحسب ظروف الحياة وملابساتها،دون اصطدام بأصول المنهج الدائم.
وكفل للعقل البشري حرية العمل،بكفالة حقه في التفكير،وبكفالة مجتمع يسمح لهذا العقل بالتفكير.
ثم ترك له الحرية في دائرة الأصول المنهجية التي وضعها لحياة البشر،كيما تنمو وترقى وتصل إلى الكمال المقدر لحياة الناس في هذه الأرض.
ولقد دلت تجارب البشرية حتى اللحظة على أن ذلك المنهج كان وما يزال سابقا لخطوات البشرية في عمومه،قابلا لأن تنمو الحياة في ظلاله بكل ارتباطاتها نموا مطردا.وهو يقودها دائما،ولا يتخلف عنها،ولا يقعد بها،ولا يشدها إلى الخلف،لأنه سابق دائما على خطواتها متسع دائما لكامل خطواتها.
وهو في تلبيته لرغبة البشرية في النمو والتقدم لا يكبت طاقاتها في صورة من صور الكبت الفردي أو الجماعي،ولا يحرمها الاستمتاع بثمرات جهدها وطيبات الحياة التي تحققها.
وقيمة هذا المنهج أنه متوازن متناسق.لا يعذب الجسد ليسمو بالروح،ولا يهمل الروح ليستمتع الجسد.
ولا يقيد طاقات الفرد ورغائبه الفطرية السليمة ليحقق مصلحة الجماعة أو الدولة.ولا يطلق للفرد نزواته وشهواته الطاغية المنحرفة لتؤذي حياة الجماعة،أو تسخرها لإمتاع فرد أو أفراد.
وكافة التكاليف التي يضعها ذلك المنهج على كاهل الإنسان ملحوظ فيها أنها في حدود طاقته،ولمصلحته وقد زود بالاستعدادات والمقدرات التي تعينه على أداء تلك التكاليف،وتجعلها محببة لديه - مهما لقي من أجلها الآلام أحيانا - لأنها تلبي رغيبة من رغائبه،أو تصرف طاقة من طاقاته.
ولقد كانت رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - رحمة لقومه ورحمة للبشرية كلها من بعده والمبادئ التي جاء بها كانت غريبة في أول الأمر على ضمير البشرية،لبعد ما كان بينها وبين واقع الحياة