قال ابن بطال: واجب على المرأة ألا تطيع زوجها في معصية، وكذلك كل من لزمته طاعة غيره من العباد، فلا تجوز طاعته له في معصية الله تعالى [1]
وقد ورد عن الصحابة أمثلة حية من ذلك،فعن مُصْعَبَ بْنِ سَعْدٍ،عَنْ أَبِيهِ،أَنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِ آيَاتٌ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ:حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ أَبَدًا حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ،وَلَا تَأْكُلَ وَلَا تَشْرَبَ،قَالَتْ:زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيْكَ،وَأَنَا أُمُّكَ،وَأَنَا آمُرُكَ بِهَذَا.قَالَ:مَكَثَتْ ثَلَاثًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا مِنَ الْجَهْدِ،فَقَامَ ابْنٌ لَهَا يُقَالُ لَهُ عُمَارَةُ،فَسَقَاهَا،فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى سَعْدٍ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الْآيَةَ: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (8) سورة العنكبوت، قَالَ:وَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - غَنِيمَةً عَظِيمَةً،فَإِذَا فِيهَا سَيْفٌ فَأَخَذْتُهُ،فَأَتَيْتُ بِهِ الرَّسُولَ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقُلْتُ:نَفِّلْنِي هَذَا السَّيْفَ،فَأَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ حَالَهُ،فَقَالَ:"رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ"فَانْطَلَقْتُ،حَتَّى إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أُلْقِيَهُ فِي الْقَبَضِ لَامَتْنِي نَفْسِي،فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ،فَقُلْتُ:أَعْطِنِيهِ،قَالَ فَشَدَّ لِي صَوْتَهُ"رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ"قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (1) سورة الأنفال،قَالَ:وَمَرِضْتُ فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَتَانِي،فَقُلْتُ:دَعْنِي أَقْسِمْ مَالِي حَيْثُ شِئْتُ،قَالَ فَأَبَى،قُلْتُ:فَالنِّصْفَ،قَالَ فَأَبَى،قُلْتُ:فَالثُّلُثَ،قَالَ فَسَكَتَ،فَكَانَ،بَعْدُ الثُّلُثُ جَائِزًا.قَالَ:وَأَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ،فَقَالُوا:تَعَالَ نُطْعِمْكَ وَنَسْقِكَ خَمْرًا،وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ،قَالَ فَأَتَيْتُهُمْ فِي حَشٍّ - وَالْحَشُّ الْبُسْتَانُ - فَإِذَا رَأْسُ جَزُورٍ مَشْوِيٌّ عِنْدَهُمْ،وَزِقٌّ مِنْ خَمْرٍ.قَالَ فَأَكَلْتُ وَشَرِبْتُ مَعَهُمْ،قَالَ فَذَكَرْتُ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرِينَ عِنْدَهُمْ.فَقُلْتُ:الْمُهَاجِرُونَ خَيْرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ.قَالَ فَأَخَذَ رَجُلٌ أَحَدَ لَحْيَيِ الرَّأْسِ فَضَرَبَنِي،بِهِ فَجَرَحَ بِأَنْفِي فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَأَخْبَرْتُهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيَّ - يَعْنِي نَفْسَهُ - شَأْنَ الْخَمْرِ:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا
(1) - شرح ابن بطال - (13 / 324)