ثم ننظر إلى وعد اللّه نظرة التدبر - كما يأمرنا إيماننا كذلك - فنجد علته وسببه! إن الإيمان باللّه دليل على حيوية في الفطرة وسلامة في أجهزة الاستقبال الفطرية وصدق في الإدراك الإنساني،وحيوية في البنية البشرية،ورحابة في مجال الإحساس بحقائق الوجود..وهذه كلها من مؤهلات النجاح في الحياة الواقعية.
والإيمان باللّه قوة دافعة دافقة،تجمع جوانب الكينونة البشرية كلها،وتتجه بها إلى وجهة واحدة،وتطلقها تستمد من قوة اللّه،وتعمل لتحقيق مشيئته في خلافة الأرض وعمارتها،وفي دفع الفساد والفتنة عنها،وفي ترقية الحياة ونمائها..وهذه كذلك من مؤهلات النجاح في الحياة الواقعية.والإيمان باللّه تحرر من العبودية للهوى ومن العبودية للعبيد.وما من شك أن الإنسان المتحرر بالعبودية للّه،أقدر على الخلافة في الأرض خلافة راشدة صاعدة.من العبيد للهوى ولبعضهم بعضا! وتقوى اللّه يقظة واعية تصون من الاندفاع والتهور والشطط والغرور،في دفعة الحركة ودفعة الحياة..
وتوجه الجهد البشري في حذر وتحرج،فلا يعتدي،ولا يتهور،ولا يتجاوز حدود النشاط الصالح.
وحين تسير الحياة متناسقة بين الدوافع والكوابح،عاملة في الأرض،متطلعة إلى السماء،متحررة من الهوى والطغيان البشري،عابدة خاشعة للّه..تسير سيرة صالحة منتجة تستحق مدد اللّه بعد رضاه.فلا جرم تحفها البركة،ويعمها الخير،ويظلها الفلاح..والمسألة - من هذا الجانب - مسألة واقع منظور - إلى جانب لطف اللّه المستور - واقع له علله وأسبابه الظاهرة،إلى جانب قدر اللّه الغيبي الموعود..
والبركات التي يعد اللّه بها الذين يؤمنون ويتقون،في توكيد ويقين،ألوان شتى لا يفصلها النص ولا يحددها.
وإيحاء النص القرآني يصور الفيض الهابط من كل مكان،النابع من كل مكان،بلا تحديد ولا تفصيل ولا بيان.فهي البركات بكل أنواعها وألوانها،وبكل صورها وأشكالها،ما يعهده الناس وما يتخيلونه،وما لم يتهيأ لهم في واقع ولا خيال! والذين يتصورون الإيمان باللّه وتقواه مسألة تعبدية بحتة،لا صلة لها بواقع الناس في الأرض،لا يعرفون الإيمان ولا يعرفون