فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 79

وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ نُصْرَةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ وَتَأْيِيدِهِ ، وَإِعَانَتِهِ ، حَتَّى كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ: يُنْزِل نَفْسَهُ مِنْ عَبْدِهِ مَنْزِلَةَ الآْلاَتِ الَّتِي يَسْتَعِينُ بِهَا [1] ، وَلِذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ:"فَبِي يَسْمَعُ ، وَبِي يُبْصِرُ ، وَبِي يَبْطِشُ ، وَبِي يَمْشِي" [2] ، وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِلَتُهُ بِاللَّهِ فَلاَ يُسْتَبْعَدُ أَنْ يُكْرِمَهُ بِظُهُورِ مَا لاَ يُطِيقُهُ غَيْرُهُ عَلَى يَدَيْهِ تَكْرِيمًا لَهُ .

وَأَنْكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ الإِْسْفَرَايِينِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيُّ حُصُول مَا يَخْرِقُ الْعَادَةَ عَلَى يَدِ غَيْرِ نَبِيٍّ ، وَقَالُوا: إِنَّ الْخَوَارِقَ دَلاَلاَتُ صِدْقِ الأَْنْبِيَاءِ ، وَدَلِيل النُّبُوَّةِ لاَ يُوجَدُ عِنْدَ غَيْرِ النَّبِيِّ ، وَلأَِنَّهَا لَوْ ظَهَرَتْ بِأَيْدِي الأَْوْلِيَاءِ لَكَثُرَتْ بِكَثْرَتِهِمْ ، وَلَخَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا خَارِقَةً لِلْعَادَةِ ، وَالْفَرْضُ أَنَّهَا كَذَلِكَ [3] .

3-قَوْل مَنِ ادَّعَى مَا لاَ يُمْكِنُ عَادَةً:

إِذَا ادَّعَى أَحَدٌ مَا لاَ يُمْكِنُ عَادَةً ، وَيُمْكِنُ بِالْكَرَامَةِ فَلاَ يُقْبَل شَرْعًا وَهُوَ لَغْوٌ ، كَأَنِ ادَّعَى أَنَّهُ رَهَنَ دَارِهِ بِالشَّامِ وَأَقْبَضَهُ إِيَّاهَا ، وَهُمَا بِمَكَّةَ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ ، قَال الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ لاَ يُحْكَمُ بِمَا يُمْكِنُ مِنْ كَرَامَاتِ الأَْوْلِيَاءِ ، وَكَذَا إِنْ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ فِي الْمَغْرِبِ وَهُوَ بِالْمَشْرِقِ وَوَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لاَ يَلْحَقُهُ ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الأُْمُورَ لاَ يُعَوَّل عَلَيْهَا بِالشَّرْعِ ، وَإِنْ خَصَّ الشَّارِعُ شَخْصًا بِحُكْمٍ يَبْقَى الْحُكْمُ خَاصًّا بِهِ ، وَلاَ يَتَعَدَّاهُ إِلَى غَيْرِهِ بِالْقِيَاسِ ،كحديث خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ابْتَاعَ مِنْ سَوَاءِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِىِّ فَرَسًا فَجَحَدَ فَشَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « مَا حَمَلَكَ عَلَى الشَّهَادَةِ وَلَمْ تَكُنْ مَعَهُ؟ » . قَالَ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنْ صَدَّقْتُكَ بِمَا قُلْتَ وَعَرَفْتُ أَنَّكَ لاَ تَقُولُ إِلاَّ حَقًّا فَقَالَ مَنْ شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ فَهُوَ حَسْبُهُ" [4] ."

وَهَذِهِ مَكْرُمَةٌ خَاصَّةٌ بِخُزَيْمَةَ بَعْدَ شَهَادَتِهِ بِشَهَادَتَيْنِ ، فَلاَ يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ لأَِنَّهُ كَرَامَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِ ، وَلاَ يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ [5]

ـــــــــــــــ

(1) - فتح الباري 11 / 341

(2) - رواية:"فبي يسمع وبي يبصر ، وبي يبطش ، وبي يمشي"أورده ابن حجر في الفتح ( 11 / 344 ) نقلًا عن الطوفي ولم يعزها إلى أي مصدر .

(3) - حاشية شيخ الإسلام الشيخ إبراهيم البيجوري المسماة بتحفة المريد على جوهرة التوحيد ص 80 وما بعدها .

(4) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 10 / ص 146) (21021) والمستدرك للحاكم (2188) والمجمع 9/320 والبخاري في التاريخ 1/87 وابن عساكر 5/136 والفتح 8/519 وهو حديث صحيح

(5) - تحفة المحتاج 5 / 107 ، ومسلم الثبوت 2 / 327 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت