اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ رُؤْيَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الْمَنَامِ فَقِيل: لاَ تَقَعُ ، لأَِنَّ الْمَرْئِيَّ فِيهِ خَيَالٌ وَمِثَالٌ ، وَذَلِكَ عَلَى الْقَدِيمِ مُحَالٌ ، وَقِيل: تَقَعُ لأَِنَّهُ لاَ اسْتِحَالَةَ لِذَلِكَ فِي الْمَنَامِ [1] .
قال البغوي:"قال الإمام: رؤية الله في المنام جائزة ، وتكون رؤيته جلت قدرته ظهور العدل ، والفرج والخصب والخير لأهل ذلك الموضع ، فإن رآه فوعد له جنة أو مغفرة ، أو نجاة من النار ، فقوله حق ووعده صدق ، وإن رآه ينظر إليه ، فهو رحمته ، وإن رآه معرضا عنه ، فهو تحذير من الذنوب ، لقوله سبحانه وتعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (77) سورة آل عمران ، وإن أعطاه شيئا من متاع الدنيا فأخذه ، فهو بلاء ومحن وأسقام تصيب بدنه ، يعظم بها أجره لا يزال يضطرب فيها حتى يؤديه إلى الرحمة ، وحسن العاقبة. [2] "
وقال ابن عثيمين:"إن الله سبحانه وتعالى يعلم بما أوحاه إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - , فالقرآن كلام الله كأنما يخاطبك الله به, كما قال عز وجل: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء:174] هذا يكفيك عن رؤية الله, ورؤية الله في الدنيا يقظة لا تمكن, حتى موسى عليه الصلاة والسلام وهو من أولي العزم من الرسل لما سأل الله الرؤية, قال الله له: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143] أي: لا يمكن أن تصبر على رؤيته, ثم ضرب له مثلًا فقال: انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [الأعراف:143] صار الجبل كالرمل حينئذٍ خر موسى صعقًا, وعلم أنه ليس بإمكانه أن يرى الله عز وجل. أما رؤيته في المنام فقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه في المنام كما في حديث اختصام الملأ الأعلى, أما غير الرسول - صلى الله عليه وسلم - فذكر عن الإمام أحمد أنه رأى ربه والله أعلم، هل يصح هذا أم لا يصح؟ لكن نحن لسنا في حاجة في الهداية إلى رؤية الله عز وجل, حاجتنا أن نقرأ كلامه ونعمل بما فيه, وكأنما يخاطبنا, ولهذا ذكر الله أنه أنزل الكتاب على محمد وأنزله إلينا أيضاًَ حتى نعمل به, ولا تشغل نفسك بهذه الأمور, فإنك لن تصل إلى نتيجة مرضية, عليك بالكتاب والسنَّة والعمل بما فيهما." [3]
وفي فتاوى الشبكة الإسلامية [4] :"إن رؤية الله في المنام جائزة وواقعة، قال ابن تيمية رحمه الله:"وَقَدْ يَرَى الْمُؤْمِنُ رَبَّهُ فِي الْمَنَامِ فِي صُوَرٍ مُتَنَوِّعَةٍ عَلَى قَدْرِ إيمَانِهِ وَيَقِينِهِ ؛ فَإِذَا كَانَ إيمَانُهُ صَحِيحًا لَمْ يَرَهُ إلَّا فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ وَإِذَا كَانَ فِي إيمَانِهِ نَقْصٌ رَأَى مَا يُشْبِهُ إيمَانَهُ ،وَرُؤْيَا الْمَنَامِ لَهَا حُكْمٌ غَيْرُ رُؤْيَا الْحَقِيقَةِ فِي الْيَقَظَةِ وَلَهَا"تَعْبِيرٌ وَتَأْوِيلٌ"لِمَا فِيهَا مِنَ الْأَمْثَالِ الْمَضْرُوبَةِ لِلْحَقَائِقِ . وَقَدْ يَحْصُلُ لِبَعْضِ النَّاسِ فِي الْيَقَظَةِ أَيْضًا مِنَ الرُّؤْيَا نَظِيرُ مَا يَحْصُلُ لِلنَّائِمِ فِي الْمَنَامِ: فَيَرَى بِقَلْبِهِ مِثْلَ مَا يَرَى النَّائِمُ . وَقَدْ يَتَجَلَّى لَهُ مِنَ الْحَقَائِقِ مَا يَشْهَدُهُ بِقَلْبِهِ فَهَذَا كُلُّهُ يَقَعُ فِي الدُّنْيَا . وَرُبَّمَا غَلَبَ أَحَدُهُمْ مَا يَشْهَدُهُ قَلْبُهُ وَتَجْمَعُهُ حَوَاسُّهُ فَيَظُنُّ أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ فَيَعْلَمَ أَنَّهُ مَنَامٌ وَرُبَّمَا عَلِمَ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ مَنَامٌ . فَهَكَذَا مِنَ الْعِبَادِ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ مُشَاهَدَةٌ قَلْبِيَّةٌ تَغْلِبُ عَلَيْهِ حَتَّى تُفْنِيَهُ عَنِ الشُّعُورِ بِحَوَاسِّهِ فَيَظُنَّهَا رُؤْيَةً بِعَيْنِهِ وَهُوَ غالط فِي ذَلِكَ ،وَكُلُّ مَنْ قَالَ مِنَ الْعِبَادِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَوْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ فَهُوَ غالط فِي ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ . نَعَمْ رُؤْيَةُ اللَّهِ بِالْأَبْصَارِ هِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ أَيْضًا لِلنَّاسِ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ ؛ كَمَا تَوَاتَرَتْ الْأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَيْثُ قَالَ: « إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لاَ تُضَامُّونَ فِى رُؤْيَتِهِ ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا » . ثُمَّ قَرَأَ {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} (39) سورة ق [5] .""
قلت: وقد وردت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث عديدة أنه رأى ربه في المنام ، منها، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:""أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّي وَسَعْدَيْكَ ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى ؟ قُلْتُ: رَبِّ لَا أَدْرِي ، فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ فَعَلِمْتُ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ، فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى ؟ قُلْتُ: فِي الدَّرَجَاتِ وَالكَفَّارَاتِ ، وَفِي نَقْلِ الأَقْدَامِ إِلَى الجَمَاعَاتِ ، وَإِسْبَاغِ الوُضُوءِ فِي المَكْرُوهَاتِ ، وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، وَمَنْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ ، وَكَانَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" [6] "
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"أَتَانِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ اللَّيْلَةَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ - أَحْسِبُهُ يَعْنِي فِي النَّوْمِ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا"قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ ، حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ - أَوْ قَالَ: نَحْرِي - فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ ، يَخْتَصِمُونَ فِي الْكَفَّارَاتِ وَالدَّرَجَاتِ ، قَالَ: وَمَا الْكَفَّارَاتُ وَالدَّرَجَاتُ ؟ قَالَ: الْمُكْثُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ ، وَالْمَشْيُ عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ ، وَإِبْلَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ ، وَمَاتَ بِخَيْرٍ ، وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ، وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ إِذَا صَلَّيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْخَيْرَاتِ ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً ، أَنْ تَقْبِضَنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ ، قَالَ: وَالدَّرَجَاتُ: بَذْلُ الطَّعَامِ ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ" [7]
وعن خَالِدَ بْنِ اللَّجْلاَجِ ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَائِشٍ الْحَضْرَمِيَّ ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: رَأَيْتُ رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ , فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الأَعْلَى مَرَّتَيْنِ ؟ قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ يَا رَبِّ فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} . قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الأَعْلَى يَا مُحَمَّدُ ؟ قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ , قَالَ: مَا هِيَ قُلْتُ: مَشْيٌ عَلَى الأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ , وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ خِلاَفَ الصَّلَوَاتِ , وَإِبْلاَغُ الْوُضُوءِ أَمَاكِنَهُ فِي الْمَكَارِهِ , قَالَ: مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَعِشْ بِخَيْرٍ وَيَمُتْ بِخَيْرٍ , وَيَكُونُ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ , قَالَ: وَمَا الدَّرَجَاتُ ؟ قَالَ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ , وَبَذْلُ السَّلاَمِ , وَأَنْ يَقُومَ اللَّيْلَ وَالنَّاسُ نِيَامٌ , سَلْ تُعْطَهْ , قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الطَّيِّبَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ , وَحُبَّ الْمَسَاكِينَ وَأَنْ تَتُوبَ عَلَيَّ , وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ , فَتَعَلَّمُوهُنَّ , وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُنَّ الْحَقُّ" [8] ."
هل محمد - صلى الله عليه وسلم - ربه في اليقظة ؟
اختلف في ذلك ،فلنذكر الروايات أولا .
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « رَأَيْتُ رَبِّى تَبَارَكَ وَتَعَالَى » [9] .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) قَالَ رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ. [10]
وعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ - رضى الله عنها - يَا أُمَّتَاهْ هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - رَبَّهُ فَقَالَتْ لَقَدْ قَفَّ شَعَرِى مِمَّا قُلْتَ ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلاَثٍ مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ ، مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ . ثُمَّ قَرَأَتْ {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (103) سورة الأنعام. {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} (51) سورة الشورى، وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ ثُمَّ قَرَأَتْ {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (34) سورة لقمان ,وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ ثُمَّ قَرَأَتْ {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (67) سورة المائدة ، وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - فِى صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ [11]
وعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ يَا أَبَا عَائِشَةَ ثَلاَثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ. قُلْتُ مَا هُنَّ قَالَتْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ. قَالَ وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ فَقُلْتُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْظِرِينِى وَلاَ تَعْجَلِينِى أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ } (23) سورة التكوير {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} (13) سورة النجم. فَقَالَتْ أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: « إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِى خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ » . فَقَالَتْ أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (103) سورة الأنعام، أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} (51) سورة الشورى ،قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَتَمَ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ وَاللَّهُ يَقُولُ: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (67) سورة المائدة. قَالَتْ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِى غَدٍ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ وَاللَّهُ يَقُولُ: { قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} (65) سورة النمل [12] .
وعَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ:سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: « نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ » . [13]
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه: اِخْتَلَفَ السَّلَف وَالْخَلَف هَلْ رَأَى نَبِيّنَا - صلى الله عليه وسلم - رَبّه لَيْلَة الْإِسْرَاء ؟ فَأَنْكَرَتْهُ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا كَمَا وَقَعَ هُنَا فِي صَحِيح مُسْلِم ، وَجَاءَ مِثْله عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَجَمَاعَة وَهُوَ الْمَشْهُور عَن اِبْن مَسْعُود ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَة مِن الْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ ، وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ ، وَمِثْله عَنْ أَبِي ذَرّ وَكَعْب رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَالْحَسَن - رَحِمَهُ اللَّه - وَكَانَ يَحْلِف عَلَى ذَلِكَ ، وَحُكِيَ مِثْله عَن اِبْن مَسْعُود وَأَبِي هُرَيْرَة وَأَحْمَد بْن حَنْبَل ، وَحَكَى أَصْحَاب الْمَقَالَات عَنْ أَبِي الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ ، وَجَمَاعَة مِنْ أَصْحَابه أَنَّهُ رَآهُ ، وَوَقَفَ بَعْض مَشَايِخنَا فِي هَذَا ، وَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيل وَاضِح وَلَكِنَّهُ جَائِز ، وَرُؤْيَة اللَّه تَعَالَى فِي الدُّنْيَا جَائِزَة وَسُؤَال مُوسَى إِيَّاهَا دَلِيل عَلَى جَوَازهَا إِذْ لَا يَجْهَل نَبِيّ مَا يَجُوز أَوْ يَمْتَنِع عَلَى رَبّه ، وَقَدْ اِخْتَلَفُوا فِي رُؤْيَة مُوسَى - صلى الله عليه وسلم - رَبّه ، وَفِي مُقْتَضَى الْآيَة وَرُؤْيَة الْجَبَل ، فَفِي جَوَاب الْقَاضِي أَبِي بَكْر مَا يَقْتَضِي أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ ،وَكَذَلِكَ اِخْتَلَفُوا فِي أَنَّ نَبِيّنَا مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - هَلْ كَلَّمَ رَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى لَيْلَة الْإِسْرَاء بِغَيْرِ وَاسِطَة أَمْ لَا ؟ فَحُكِيَ عَن الْأَشْعَرِيّ وَقَوْم مِن الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ كَلَّمَهُ ، وَعَزَا بَعْضهمْ هَذَا إِلَى جَعْفَر بْن مُحَمَّد وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ، وَكَذَلِكَ اِخْتَلَفُوا فِي قَوْله تَعَالَى { ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى } فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا الدُّنُوّ وَالتَّدَلِّي مُنْقَسِم مَا بَيْن جِبْرِيل وَالنَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَوْ مُخْتَصّ بِأَحَدِهِمَا مِن الْآخَر وَمِن السِّدْرَة الْمُنْتَهَى . وَذُكِرَ عَن اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَمُحَمَّد بْن كَعْب وَجَعْفَر بْن مُحَمَّد وَغَيْرهمْ أَنَّهُ دُنُوّ مِن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى رَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَوْ مِن اللَّه تَعَالَى ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْل يَكُون الدُّنُوّ وَالتَّدَلِّي مُتَأَوَّلًا لَيْسَ عَلَى وَجْهه بَلْ كَمَا قَالَ جَعْفَر بْن مُحَمَّد: الدُّنُوّ مِن اللَّه تَعَالَى لَا حَدّ لَهُ وَمِن الْعِبَاد بِالْحُدُودِ ، فَيَكُون مَعْنَى دُنُوّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ رَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى وَقُرْبه مِنْهُ ظُهُور عَظِيم مَنْزِلَته لَدَيْهِ ، وَإِشْرَاق أَنْوَار مَعْرِفَته عَلَيْهِ ، وَإِطْلَاعه مِنْ غَيْبه وَأَسْرَار مَلَكُوته عَلَى مَا لَمْ يُطْلِع سِوَاهُ عَلَيْهِ .
وَالدُّنُوّ مِن اللَّه سُبْحَانه لَهُ إِظْهَار ذَلِكَ لَهُ وَعَظِيم بِرّه وَفَضْله الْعَظِيم لَدَيْهِ ، وَيَكُون قَوْله تَعَالَى: { قَاب قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى } عَلَى هَذَا عِبَارَة عَنْ لُطْف الْمَحَلّ وَإِيضَاح الْمَعْرِفَة وَالْإِشْرَافِ عَلَى الْحَقِيقَة مِنْ نَبِيّنَا - صلى الله عليه وسلم - وَمِن اللَّه إِجَابَة الرَّغْبَة وَإِبَانَة الْمَنْزِلَة وَيُتَأَوَّلُ فِي ذَلِكَ مَا يُتَأَوَّل فِي قَوْله - صلى الله عليه وسلم - عَنْ رَبّه عَزَّ وَجَلَّ: « يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِى بِى وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِى إِنْ ذَكَرَنِى فِى نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِى نَفْسِى وَإِنْ ذَكَرَنِى فِى مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِى مَلإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّى شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِى يَمْشِى أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً » [14] ."هَذَا كَلَام الْقَاضِي ."
(1) - الفروق 4 / 446، وتهذيب الفروق 4 / 271، وفتح الباري 12 / 387 .
(2) - شرح السنة ـ للإمام البغوى متنا وشرحا - (ج 12 / ص 227)
(3) - لقاءات الباب المفتوح - (ج 211 / ص 11) رؤية الله في المنام
(4) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 3 / ص 2542) -رقم الفتوى 14619 رؤية الله في المنام واقعة وجائزة -تاريخ الفتوى: 10 محرم 1423
(5) - صحيح البخارى (554) ومسام (1466 ) = تضامُّون: تزدحمون=تضامُون: لا يحصل لكم ذل، وانظر فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 6 / ص 3517) -رقم الفتوى 44709 رؤية الله تعالى في المنام -تاريخ الفتوى: 04 محرم 1425
(6) - سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ (3542 ) حديث حسن
(7) - مسند أحمد (3548) حسن
(8) - مسند الشاميين (597) حسن وعبد الرحمن مختلف في صحبته
(9) - مسند أحمد (2631) صحيح
(10) - صحيح مسلم (455 )
(11) - صحيح البخارى (4855) - قف: اقشعر وقام من الفزع
(12) - صحيح مسلم (457 ) -أنظرى: أخرى وأمهلى
(13) - صحيح مسلم (461 )
مَعْنَاهُ: رَأَيْت النُّور فَحَسْب وَلَمْ أَرَ غَيْره ، قَالَ وَرُوِيَ ( نُورَانِيّ أَرَاهُ ) بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر النُّون وَتَشْدِيد الْيَاء ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ رَاجِعًا إِلَى مَا قُلْنَاهُ أَيْ: خَالِق النُّور الْمَانِع مِنْ رُؤْيَته فَيَكُون مِنْ صِفَات الْأَفْعَال ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه -: هَذِهِ الرِّوَايَة لَمْ تَقَع إِلَيْنَا وَلَا رَأَيْتهَا فِي شَيْء مِنْ الْأُصُول وَمَن الْمُسْتَحِيل أَنْ تَكُون ذَات اللَّه تَعَالَى نُورًا إِذْ النُّور مِنْ جُمْلَة الْأَجْسَام ، وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى يَجِلّ عَنْ ذَلِكَ ، هَذَا مَذْهَب جَمِيع أَئِمَّة الْمُسْلِمِينَ ، وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى: { اللَّه نُور السَّمَوَات وَالْأَرْض } وَمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيث مِنْ تَسْمِيَته سُبْحَانه وَتَعَالَى بِالنُّورِ مَعْنَاهُ ذُو نُورهمَا وَخَالِقه ، وَقِيلَ: هَادِي أَهْل السَّمَوَات وَالْأَرْض ، وَقِيلَ: مُنَوِّر قُلُوب عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ ذُو الْبَهْجَة وَالضِّيَاء وَالْجَمَال . وَاَللَّهُ أَعْلَم . شرح النووي على مسلم - (ج 1 / ص 318)
(14) - صحيح مسلم (6981 )
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: الْعَرَبُ إِذَا أَرَادَتْ وَصْفَ شَيْئَيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ أَطَلَقَتْهُمَا مَعًا بِلَفْظِ أَحَدِهِمَا ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ غَيْرَ سِيَّيْنِ كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَانَ طَعَامُنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ فَأَطْلَقَهُمَا جَمِيعًا بِلَفْظِ أَحَدِهِمَا عِنْدَ التَّثْنِيَةِ ، وَهَذَا كَمَا قِيلَ: عَدْلُ الْعُمَرَيْنِ ، فَأُطْلِقَا مَعًا بِلَفْظِ أَحَدِهِمَا ، فَتَبَشْبَشَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلاَ لِعَبْدِهِ الْمَوْطِنَ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ لِلصَّلاَةِ وَالْخَيْرِ ، إِنَّمَا هُوَ نَظَرَهُ إِلَيْهِ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَحَبَّةِ لِذَلِكَ الْفِعْلِ مِنْهُ وَهَذَا كَقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يَحْكِي عَنِ اللهِ تَعَالَى: مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا ، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا يُرِيدُ بِهِ: مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا بِالطَّاعَةِ وَوَسَائِلِ الْخَيْرِ ، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ ، وَلِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ سَنَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعَهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ يَسَّرَ اللَّهُ ذَلِكَ وَسَهَّلَهُ. صحيح ابن حبان - (ج 4 / ص 486)