رَجُل تصدق بصدقة فاجتهد فِي إخفائها غاية الاجتهاد حَتَّى لَمْ يعلم بِهِ إلا الله .وضرب المثال لذلك عَلَى طريق المبالغة:"حَتَّى لا تعلم شماله مَا تنفق يمينه" [1] .
والْمَقْصُود مِنْهُ الْمُبَالَغَة فِي إِخْفَاء الصَّدَقَة بِحَيْثُ إنَّ شِمَاله مَعَ قُرْبِهَا مِنْ يَمِينه وَتَلَازُمِهِمَا لَوْ تَصَوَّرَ أَنَّهَا تَعْلَم لَمَا عَلِمَتْ مَا فَعَلَتْ الْيَمِين لِشِدَّةِ إِخْفَائِهَا ، فَهُوَ عَلَى هَذَا مِنْ مَجَاز التَّشْبِيه . وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد"تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ كَأَنَّمَا أَخْفَى يَمِينه مِنْ شِمَاله"وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون مِنْ مَجَاز الْحَذْف وَالتَّقْدِير حَتَّى لَا يَعْلَم مَلَكُ شِمَاله [2] .
وهذا دليل عَلَى قوة الإيمان والاكتفاء باطلاع الله عَلَى العبد وعلمه بِهِ ، وفيه مخالفة للهوى ومجاهدة للنفس ؛ فإنها تحب إظهار الصدقة ، والتمدح بِهَا عِنْدَ الخلق ، فيحتاج فِي إخفاء الصدقة إلى قوة شديدةٍ تخالف هوى النفس .
(1) - فتح الباري لابن رجب - (ج 5 / ص 29)
(2) - فتح الباري لابن حجر - (ج 2 / ص 485)