وقال أبو بكر الرازي -من أصحاب أبي حنيفة-: أنَّ المعنى فيه: إذا عُرضت عليك أفعالك التي هممت بفعلها فلم تستحي منها؛ لحسنها, وجمالها, فاصنع ما شئت منها .فجَعَلَ الحياء حكمًا على أفعاله.
... وكلا القولين حسنٌ والأول أشبه؛ لأنَّ الكلام خرج من النبي صلى الله عليه وسلم مخرج الذم لا مخرج المدح, ولكن قد جاء أثر بما يضاهي الثاني وهو: (ما أحببت أن تسمعه أذناك فأته, وما كرهت أن تسمعه أذناك فاجتنبه) [1] . ويجوز أن يُحمل هذا الحديث على المعنى الصريح فيه,ويكون التأويل الأول في الحديث المتقدم أصح,إذ ليس يلزم أن تكون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها متفقة المعاني, بل اختلاف معانيها أدخل في الحكمة, وأبلغ في الفصاحة إذا لم يضاد بعضها بعضًا) [2] .
فمن هذا كله يتبين لنا أنَّ الحياء من أخلاق الإسلام العظام, التي حثَّ عليها, ورغبَّ فيها.
فهو جزءٌ من الإيمان الكامل, لا يتم إلا به, وصاحبه مقتدٍ بالنبي صلى الله عليه وسلم, وأصحابه الكرام, وأهل القرون المفضلة من سلف الأمة الصالح [3] .
وسيأتي-بإذن الله- مزيد كلام حول هذا الموضوع في ثنايا البحث.
الفصل الثالث
بين الحياء والأخلاق
(1) لم أجد له أصلًا ولكنه ورد في مجمع الأمثال ، 2/411 .
(2) أدب الدنيا والدين ، ص249 .و انظر: مشكل الآثار ، 1/198-199 .
(3) وانظر: الموسوعة الفقهية ، 18/260-261-262 , و بناء الأخلاق ، ص63-65 .