أحدهما: المشهور: أي إذا لم تَسْتَحْيِ من العيْب, ولم تَخْش العارَ مما تفعله فافعل ما تُحَدّثُك به نفْسُك من أغراضها حَسَنا كان أو قبيحًا، ولفظه أمر، ومعناه توبيخٌ وتهديد، وفيه إشعار بأن الذي يَرْدَع الإنسان عن مُواقعة السوء هو الحَياء، فإذا انْخَلع منه كان كالمأمور بارتكاب كل ضلالة وتعاطي كل سيئة.
والثاني: أن يُحْمل الأمر على بابه، يقول: إذا كنت في فعلك آمِنًا أن تَسْتَحْيِي منه لجريك فيه على سَنَن الصواب، وليس من الأفعال التي يُسْتَحيا منها فاصنع ما شئت [1] .
قال أبو عبيد: قال جرير: فمعناه أنْ يريد الرجل أن يعمل الخير فيدعه حياء من الناس, كأنه يخاف مذهب الرياء, يقول: فلا يمنعك الحياء من المضي لما أردت.
قال أبو عبيد: والذي ذهب إليه جرير معنىً صحيح في مذهبه, وهو شبيه بالحديث الآخر: ( إذا جاءك الشيطان وأنت تصلي, فقال: إنك ترائي فزدها طولًا) .
وفي هذا أحاديثٌ والمعنى قائمٌ فيه ولكن الحديث الأول لايأتي سياقه ولا لفظه على هذا التفسير ولا يُحمل عليه, و إنما وجهه أبو عبيد: بأنه أراد بقوله إنما هو من لم يستحى صنع ما شاء على جهة الذمِّ, لترك الحياء, ولم يُرِدْ بقوله: (فاصنع ما شئت) , أن يأمره بذلك أمرًا. وهذا جائز في كلام العرب أن يقول: افعل كذا وكذا, وليس بأمر, ولكنه أمر فيه معنى الخبر, كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) , فليس معناه: أنه يأمره بذلك, إنما معناه: من كذب علي متعمدا تبوأ مقعده من النار أي: كان له مقعد من النار, فهي لفظة أمرٍ على معنى الخبر وتأويل الجزاء. فيراد من الحديث أنه يحث على الحياء, ويأمر به, ويعيب تركه [2] .
قال الإمام الماوردي: (واختلف أهل العلم في معنى هذا الخبر:
(1) النهاية في غريب الأثر ، 1/470 -471،"بتصرف".
(2) غريب الحديث ، 3/31-32 ،"بتصرف".