... فالحياء ملازم للعبد المؤمن كالظل لصاحبه, لأنه جزء من عقيدته وإيمانه, فعن عبدالله بن عمر أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى رَجُلٍ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ [أي: يعاتبه فيه لأنه أضرَّ به] , فَقَالَ لَهُ النبي صلى الله عليه وسلم: (دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ) [1] . فقد أمر الرسول ذلك الرجل أن يترك أخاه ويبقيه على حيائه ولو ترتب عليه أنْ منع صاحبه من استيفاء حقوقه. إذ ضياع حقوق المرء خير له من أن يفقد حيائه الذي هو من إيمانه وميزة إنسانيته وخيريته. فالرجل كان يعظ أخاه أن يترك الخجل؛ لأنه كان يتصور أن الخَجل يفقد الإنسان كثيرا من الحقوق. وهنا ينهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا التصور للحياء, بل جعل الحياء جزءٌ من الإيمان. فالذي يستحي من الناس لا بد أن يكون مبتعدًا عما يذم من قبيح الخصال وسيء الأعمال والأفعال، فلا يكون سبَّابًا، ولا نمامًا أو مغتابًا، ولا يكون فاحشًا ولا متفحشًا، ولا يجاهر بمعصية، ولا يتظاهر بقبيح. فحياؤه من الله يمنعه من فساد الباطن، وحياؤه من الناس يمنعه من ارتكاب القبيح والأخلاق الدنيئة؛ ومن لمْ يستح سقط, وصار كأنه لا إيمان له. كما روى شعبة عن منصور بن ربعي عن أبي منصور البدري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت) [2] .والحديث لَفْظُه أَمْرٌ ومعْناهُ تَوْبيخٌ وتَهْديدٌ . وهذا الحديثُ له تَأوِيلان:
(1) رواه البخاري ، 1/17 ، برقم (24) ، كتاب الإيمان ، باب الحياء من الإيمان .
(2) رواه البخاري 3/1284, برقم (3296) ، كتاب الأدب ، باب إذا لم تستح فاصنع ما شئت . وابن ماجه 2/1400, برقم (4183) ، كتاب الزهد ، باب الحياء . المعجم الوسيط 1/213.