في مقابل هذه الحالة المتردّية - التي عاشها مَن لا رابطة له بالسلطان - عاش الخلفاء والأمراء ومن اتصل بهم حياة الترف والبذخ ، والعبثِ بالأموال حتى ركبوا بها ظَهر المعاصي [1] .
ورغم مظاهر الحالة الاجتماعية المظلمة في هذه الفترة ؛ إلا أنَّ ثَمّ ما يُحمَد الناس عليه فيها لاسيما الولاة ، ذلك هو استمرارُ حركة الفتوح لإعلاء كلمة الله ونجدةُ المسلمين بعضِهم بعضًا ؛ ومما يذكر فلا ينسى في هذا المقام ، نجدة المعتصم المرأةَ التي أهينت في عمّوريّة من أحد علوج النصارى [2] .
المبحث الثالث: الحالة العِلْميّة
الاضطرابات السياسية ، والانقسامات في السلطة ، والحروب والفواجع زمانَ ابن دريد لم يكن لها تأثير على الحركة العلمية في البلاد الإسلامية .
فقد بلغت الحركة العلمية في عصر ابن دريد أَوجها ، حيث نبغ العلماء في مختلف الفنون بسبب التنافس بين حكام الأقاليم ؛ الذين كانوا يشجعون العلماء والدارسين ، ويجتذبونهم للعلم والمعرفة اجتذابًا .
ففي عصر ابن دريد تُرجمت العلوم الأجنبية إلى اللسان العربي ، ودُرّست ، حتى امتزجت مع علوم العرب والمسلمين .
وصار هناك مدرستان: إحداهما اعتمدت اعتمادًا كليًا على الثقافة الوافدة ، وأصحابُها هم أهل الكلام والفلسفة ، والفِرق ؛ والمدرسة الأخرى أصحابها اعتمدوا اللغة العربية ، وما يتصل بها من قواعد النحو والتصريف ، وأشعار العرب ، وحِكَمهم ، وأمثالهم ، كما لم يهملوا تفسير آيات القرآن ، فانتفعوا بما فيها من دقائق العلوم على تنوّعها .
(1) 1 ) في ذلك شواهد كثيرة ، انظر على سبيل المثال: الأغاني ، للأصفهاني 4 / 121 - 122 و 5 / 292 و 9 / 52 .
(2) 2 ) انظر: فتوح البلدان ، للبلاذرّي 196 ؛ وتاريخ الإسلام ، للذهبي 16 / 14.