6 - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح المهملة وسكون الموحدة وبالدال المهملة، هو لقبُ عبد الله بن عثمان بن جبلة العتكي _ بالمهملة والمثناة الفوقية المفتوحتين _ المروزي أبو عبد الرحمن، مولى المهلَّب _ بفتح اللام المشددة _ ابن أبي صُفرة _ بضم المهملة _ سمع مالكًا وحماد بن زيد وغيرهما من الأعلام. وروى عنه الذُّهلي والبخاري وغيرهما. وروى مسلم وأبو داود والنسائيُّ عن رجل عنه، توفي سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومائتين عن ستٍّ وسبعين سنة. قيل وإنما قيل له عبدان؛ لأنَّ كنيته أبو عبد الرحمن، واسمه عبد الله، فاجتمع من اسمه وكنيته عبدان. وعبدان لقب جماعة أكبرهم هذا.
(قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) بن المبارك بن واضح الحنظلي التَّميمي، مولاهم المروزي، هو الإمام المتفق على جلالته وإمامته، وعِظم محله، وسيادته وورعه وسخائه وعبادته وشجاعته وغيرها من نفائس
ج 1 ص 101
صفاته، وهو الَّذي يستنزل بذكره الرَّحمة، ويرتجى بحبه المغفرة، وهو الثَّقة الحجَّة الثَّبت، وهو من تابعي التابعين، وكان أبوه تركيًا مملوكًا لرجلٍ من همْدان، وأمُّه خوارزمية.
روي عن الحسن بن عيسى أنَّه قال اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك فقالوا تعَالَوا نعدُّ خصائل ابن المبارك من أنواع الخير، فقالوا جمع العلمَ والفقه والأدب والنَّحو واللُّغة والشِّعر والفصاحة والزهد والورع والإنصاف وقيام الليل وسداد الرأي.
وقال عمَّار بن الحسن
~إذا سارَ عبدُ الله من مرْوَ ليلَة فقد سارَ عنها نورُها وجمالُهَا
~إذا ذكرَ الأخيارُ من كلِّ بلدةٍ فهم أنجمٌ فيها وأنت هلالُهَا
وقال ابن المديني ابن المبارك أفضل من الثوري، فقيل إنَّ الناس يخالفونك، فقال لم يعرفوا، ما رأيتُ مثل ابن المبارك. وقال أبو شامة ابن المبارك في أصحاب الحديث مثل أمير المؤمنين في الناس. وقال أبو إسحاق الفزاري ابن المبارك إمام المسلمين.
وقال أحمد بن حنبل لم يكن في زمن ابن المبارك أطلب للعلم منه، رحلَ إلى اليمن والشام ومصر والكوفة، وكان من رواة العلم وأهل ذلك، كتب عن الصِّغار والكبار، وكان يحدِّث عن الكبار.
وقال ابن أبي جميل قلنا لابن المبارك يا عالم الشَّرق حدِّثنا، فسمِعَنا سفيان فقال وَيْحَكُم هو عالم الشَّرق والغرب وما بينهما. وقيل لمَّا قدم هارون الرشيد الرَّقة أشرفت أم ولد له من قصره، فرأت الغبرة قد ارتفعت، والنِّعال قد تقطَّعت، وانجفلت الناس، فقالت ما هذا؟ قالوا قدم عالم من خراسان يقال له ابن المبارك، فقال هذا والله الملك لا هارون الذي لا يجمع الناس إلَّا بالسَّوط والخشب.
ولد بمرو سنة ثماني عشرة ومائة، وتوفي في رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة، بِهِيْت في العراق منصرفًا من الغزو. وهِيْت بكسر الهاء وفي آخره تاء مثناة من فوق، مدينة على شاطئِ الفرات سمِّيت بذلك؛ لأنَّها في هوة، وعبد الله بن المبارك هذا من أفرادِ الكتب السِّتة، نعم في الرواة غيره خمسة.
(قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ) هو ابن يزيد بن مشكان، وقد تقدم (عَنِ الزُّهْرِيِّ) الإمام محمد بن مسلم بن شهاب
ج 1 ص 102
(قَالَ) أي البخاري رحمه الله، وفي نسخة وقع بدل قال مهملة مفردة في الخط مقصورة في النطق، وهذه الحاء كثيرة في (( صحيح مسلم ) )قليلة في (( صحيح البخاري ) ).
ومن عادتهم أنَّهم إذا أرادوا الجمعَ بين إسنادين أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسنادٍ إلى إسنادٍ آخر ذلك؛ أي مسمى حرف الحاء، فقيل إنها مأخوذة من التَّحوُّل؛ لتحوله من إسناد إلى إسناد، وأنه يقول القارئ إذا انتهى إليها حاء مقصورة، ويستمرُّ في قراءة ما بعدها.
وفائدته أن لا يركَّب الإسناد الثاني مع الإسناد الأول، فيجعل إسنادًا واحدًا، وهو مذهب الجمهور. وقال عبد القاهر الرَّهاوي وتبعه الدمياطيُّ إنها من حال بين الشَّيئين إذا حجز بينهما؛ لكونها حالت بين الإسنادين، وأنَّه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشيءٍ.
وعن بعض المغاربة أنَّها رمز [1] إلى قوله الحديث، فهم يقولون إذا وصلوا إليها الحديث، وقد كتب جماعةٌ من الحفَّاظ كالصَّابوني وأبي مسلم اللَّيثي وأبي سعيد الخليلي صح؛ لئلا يتوهَّم أنَّه سقط حديث الإسناد الأوَّل، أو لخوف تركيب الإسناد الثَّاني مع الإسناد الأوَّل، وأما زعم بعضهم أنَّها معجمة بمعنى هذا الَّذي يذكرُ إسنادًا آخر فوَهْم.
(وَ) الأحسن ترك هذه الواو بعد حاء التحويل (حَدَّثَنَا بِشْرُ) بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة (ابْنُ مُحَمَّدٍ) أبو محمد المروزي السختياني، والسختيان فارسي معرب، ومعناه الجلد، روى عنه البخاري منفردًا به عن باقي أصحاب الكتب الستة، ذكره ابن حبان في (( ثقاته ) )وكان من المرجئة، مات سنة أربع وعشرين ومائتين.
(قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) بن المبارك (قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ) غير منصرف (وَمَعْمَرٌ) بفتح الميمين بن راشد البصري، وقد تقدَّما (عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ) وفي رواية نحوه عن الزهريِّ، يعني أن البخاري رحمه الله حدَّث هذا الحديث عن الشَّيخين عبدان وبشر كلاهما عن عبد الله بن المبارك، والشيخ الأول ذُكر لعبد الله شيخًا واحدًا وهو يونس، والثَّاني ذُكر له شيخين يونس ومعمرًا، أمَّا عن يونس فباللَّفظ، وأمَّا عن معمر فبالمعنى، ولذا زاد فيه لفظ نحوه.
ج 1 ص 103
(قَالَ) أي الزُّهري (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وفي رواية (عُبَيْدُ اللَّهِ) بالتَّصغير (بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عُتْبة _ بضم المهملة وسكون الفوقانية _ ابن مسعود الهذلي المدني الإمام الجليل التابعي، أحد الفقهاء السَّبعة، سمع خلقًا من الصَّحابة منهم ابن عبَّاس وابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم، وعنه جمعٌ من التَّابعين، وهو مُعلِّمُ عمرَ بن عبد العزيز.
قال الزُّهري ما جالست أحدًا من العلماء إلَّا وظننت أني قد أتيت على ما عنده، ما خلا عُبيد الله، فإنه لم آته إلَّا وجدت عنده علمًا طريفًا، وكان قد ذهب بصره، توفي سنة تسع أو ثمان أو خمس أو أربع وتسعين.
وروى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسنادٍ حسن عن عبد الله بنِ عتبة والد عبيد الله، قال (( أذكر أن النَّبي صلَّى الله عليه وسلم أخذنِي وأنا خماسي أو سداسي، وأجلسنِي في حجرهِ، ومسح رأسِي ودعا لي وذرِّيتي بالبركة ) )، وفي هذه منقبة لعبيد الله رحمه الله تعالى.
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ) هو أفعل التَّفضيل من الجودِ، وهو إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي على ما ينبغي؛ أي كان أسخى النَّاس؛ لأنَّه لمَّا كانت نفسه النَّفيسة أشرف النُّفوس، ومزاجه المنُيف أعدل الأمزجةِ، لا بدَّ وأن يكون فعله أحسن الأفعال، وشكله أملحُ الأشكال، وخُلُقه أعظمُ الأخلاق، فلا شكَّ يكون أجود، وكيف لا وهو مستغنٍ عن الفانيات بالباقيات الصَّالحات، مقبلًا على مولاه، معرضًا عمَّا سواه، فكان إذا وجدَ جاد، وإذا أحسن أعاد، وإن لم يجد وعد، ولم يخلفِ الميعاد، وكان يجودُ على كلِّ أحد بما يسد خُلَّته، ويشفي غلَّته.
ولعلَّ ذكر النَّاس بالخصوص؛ لكونه فردًا منهم، فلا مفهومَ له عند من قال به.
(وَكَانَ) وفي رواية بالفاء (أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ) روي أجودُ، بالرفع في أكثر الرِّوايات على أنَّه اسم كان، وخبره محذوف حذفًا واجبًا، نحو أخطبُ ما يكون الأمير قائمًا. وقوله في رمضان، حال وقعت موقع الخبر، فمعناه كان أجود أكوانه حاصلًا في رمضان، ويجوز أن يكون في كان ضمير الشأن، وأجود مرفوع على أنه مبتدأ مضاف إلى قوله ما يكون، وخبره في رمضان.
والتقدير
ج 1 ص 104
كان الشَّأن أجود أكوان النَّبي صلَّى الله عليه وسلم في رمضان حاصلٌ فيه، وإنما جمع المصدر؛ لأن أفعل التفضيل لا يضاف إلى المفرد. ويجوز أن يكون الوقت فيه مقدَّرًا، كما في مقدَّم الحاج، والتقدير كان أجود أوقات كونه في رمضان. وعلى كلِّ تقدير إسناد الجود إلى أكوانه وأوقاته عليه السلام على سبيل المبالغة كإسناد الصَّوم إلى النَّهار، والقيام إلى اللَّيل في قولهم نهاره صائم، وليله قائمٌ.
وروي بالنصب أيضًا، كما في رواية الأصيلي على أنَّه خبر كان، واسمه ضمير النَّبي صلَّى الله عليه وسلم؛ أي كان النَّبي صلَّى الله عليه وسلم مدَّة كونه في رمضان أجود من نفسهِ في غيره مع كونهِ أجود النَّاس مطلقًا. وقال النوويُّ الرفع أشهر والنصب جائز. أقول بل والنصب أظهر. وسئل ابن مالك عنه فخرَّج الرفع على ثلاثة أوجه، والنصب من وجهين.
وذكر ابن الحاجب في (( أماليه ) )للرفع خمسة أوجه، فتوارد مع ابن مالك في وجهين، وزاد ثلاثة. وقال الحافظ العسقلانيُّ ويرجِّح الرفع وروده بدون (( كان ) )عند البخاريِّ في كتاب [خ¦1902] (( الصوم ) )و [خ¦4997] (( فضائل القرآن ) ). وفيه أنَّه إذا كان كانَ من نواسخ المبتدأ والخبر كما هو مقرر، فالتَّرجيح بوجود الرفع عند عدمها لا يظهر، فتدبر.
وقوله (( في رمضان ) )أي في شهر رمضان. قال الزَّمخشري الرَّمضان، مصدر رمضَ إذا احترق من الرَّمضاء، فأضيف إليه الشَّهر، وجعله عَلَمًا ومنع الصرف؛ للتَّعريف والألف والنون، وسموه بذلك؛ لارتماضهم فيه من حرِّ الجوع، ومقاساة شدَّته، كما قيل الغراب ابن دأية، بإضافة الابن إلى دأية البعير؛ أي فقارته لكثرة وقوعِها عليها إذا دبرت.
(حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ) حال من الضمير الذي في حاصل المقدَّر فهو حال عن حال، ومثلهما يسمَّى بالحالين المتداخلتين.
والحاصل أنَّ رمضان وملاقاة جبريل عليه السلام من الأسبابِ الموجبة لكمالِ جودهِ وتمام كرمه صلَّى الله عليه وسلم، أمَّا رمضان فإنَّه موسم الخيرات، إذ فيه الصَّوم الذي قال تعالى في حقه (( الصَّوم لي وأنا أجزي به ) )، وفيه ليلة القدر الَّتي هي خير من ألفِ شهر، فلا جرمَ بتضاعف ثواب الصَّدقة، والخير فيه، وكذلك سائر العبادات. ولهذا قال الزُّهري تسبيحةٌ في رمضان خير من سبعين في غيره. وقد جاء في الحديث (( أنَّه يعتق فيه كلَّ يوم
ج 1 ص 105
ألف ألف عتيقٍ من النار )) .
والحاصل أنَّ الله تعالى يتفضل على عبادِه في ذلك الشهر ما لا يتفضَّل عليهم في غيره من الأوقات، وكان صلَّى الله عليه وسلم متخلِّقًا بأخلاق ربِّه، وأمَّا ملاقاة جبريل عليه السلام ففيها زيادة ترقيةٍ في المقامات، وزيادة اطِّلاعه على علوم الله سبحانه وتعالى، ولاسيَّما عند مدارسته القرآن معه مع نزوله إليه كلَّ ليلة كما يفيده قوله
(وَكَانَ) جبريل عليه السلام (يَلْقَاهُ) أي النبيَّ صلَّى الله عليه وسلم، أو كان صلَّى الله عليه وسلم يلقى جبريل عليه السلام، والأول أَوْلى؛ لقوله حين يلقاه جبريل (فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ) من المدارسة من الدَّرس، وهو القراءة على سرعة وقدرة عليها مِن درست الكتاب أدرسُه كأنك تجعلُ الكتاب الَّذي تقرأه مذلَّلًا؛ لأنَّ أصل الدرس الوطء والتَّذليل قال الله تعالى {وَدَرَسُوا مَا فِيهِ} [الأعراف 169] ، وقال تعالى {وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران 79] . وأدرس الكتاب مثل درسه، ودرَّس الكتب تدريسًا مشدد للمبالغة، ومنه مُدرِّس المدرسة؛ أي يقارئ جبريل النَّبي صلَّى الله عليه وسلم.
(الْقُرْآنَ) فهو بالنَّصب على أنه المفعول الثَّاني للمدارسة، إذ الفعل المتعدِّي إذا نقل إلى باب المفاعلة يصير متعديًا إلى اثنين نحو جاذبته الثوب، والمعنى كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام يتناوبان في قراءة القرآن كما هو عادة القراء بأن يقرأ مثلًا هذا عشرًا، والآخر عشرًا، أو يتشاركان في القراءة؛ أي يقرآن معًا، والأول أظهر.
وحكمة مدارسة القرآن أن يتقرَّرَ عنده، ويرسخَ أتمَّ رسوخ فلا ينساه، كأنَّه إنجاز لوعده تعالى لرسوله صلَّى الله عليه وسلم حيث قال له {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} [الأعلى 6] ، ومن جملة الإقراء مدارسة جبريل عليه السلام.
وقيل الحكمة فيها الحثُّ على تجويدِ لفظه، وتصحيح إخراج الحروف من مخارجها؛ ليكون سُنَّة في حقِّ الأمة، وأصلًا لمدارسة التَّلامذة مع الشيوخ في القراءة، وخصَّ بذلك رمضان؛ لأنَّه موسم الخيرات، ونِعَمُ الله تعالى على عباده فيه زائدة على ما في غيره. وأيضًا لأنَّ الله تعالى أَنزلَ فيه القرآن إلى سماء الدُّنيا جملةً من اللَّوح المحفوظ، ثمَّ نزل بعد ذلك على حسَب الأسباب والمصالح في عشرين سنة.
ويقال إنَّ في ليلة أربعة وعشرين نزلت صحف إبراهيم والتَّوراة والإنجيل. وقيل نزلت صحف إبراهيم عليه السلام أول ليلة منه، والتوراة لستٍّ، والإنجيل لثلاث عشرة،
ج 1 ص 106
والقرآن لأربع وعشرين، وخُصَّ الليل من رمضان بالمدارسة؛ لأنَّ ليله أفضل من نهاره، لا سيَّما للقراءة، فإنَّ المقصود من التلاوة الحضور والفهم، واللَّيل مظنة ذلك؛ لِما في النَّهار من الشَّواغل الدينية، والعوارض الدُّنيوية. ويدلُّ عليه قوله تعالى {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا*إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} [المزمل 6 - 7] .
(فَلَرَسُولُ اللَّهِ) الفاء للسببية واللام للابتداء زيدت على المبتدأ تأكيدًا؛ أو هي جواب قسم مقدَّر (أَجْوَدُ) خبر المبتدأ (بِالْخَيْرِ) أي أسخى ببذل جميع أنواع الخير بحسبِ اختلاف حاجات النَّاس، وفي تقديم قوله بالخير، على قوله من الريح المرسلة؛ دَفعُ توهم تعلُّقه بالمرسلة، وهذا وإن كان لا يتغيَّر به المعنى، لكنَّه يفوت فيه المبالغة على تقديرِ تفسير المرسلة بالمطلقة، فافهم.
(مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) بفتح السين؛ أي المطلقة بمعنى أنَّه في الإسراعِ بالجود، وعموم النَّفع أسرع وأنفع منها، وعبَّر بالمرسلة إشارةً إلى دوام هبوبها، وإلى عَوْم النَّفع بجوده صلَّى الله عليه وسلم كما تعم الرِّيح المرسلة جميع ما تهبُّ عليه، أو المرسلة للبشرى بين يدِي رحمتهِ سبحانه، كما قال تعالى {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الأعراف 57] ، وقال تعالى {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} [المرسلات 1] ؛ أي الرِّياح المرسلات للمعروفِ على أحد التَّفاسير. فعلى الأوَّل اللام للجنس، وعلى الثَّاني للعهد.
وحاصله أنَّه شبه نشر جوده بالخير في العباد بنشر الرِّيح القطر في البلاد، وشتَّان ما بين الأمرين، فأحدهما يحيي القلب بعد موته، والآخر يحيي الأرض بعد موتها، وجعله أبلغ منها حيث عبَّر بأفعل التَّفضيل الَّذي هو نصٌّ في كونه أعظم جودًا منها؛ لأنَّ الغالب عليها أن تأتيَ بالمطر، وربما تخلو عنه وتسكن، وهو لا ينفك عن العطاء والجود، بل جوده مع ذلك مسترسل لا يعتريهِ ضعفٌ وفتور.
وقد استعمل فيه أفعل التَّفضيل في الإسناد الحقيقي والمجازي؛ لأنَّ الجود منه صلَّى الله عليه وسلم حقيقة، ومن الرِّيح مجاز، فكأنَّه استعار للرِّيح جودًا باعتبار مجيئها بالخير، فأنزلها منزلةَ من جاد.
وجملة الكلام في مقام المَرام أنَّه وقع تخصيص بعد تخصيص على سبيلِ الترقي في الكلام؛ لأنَّه فضَّل أولًا جوده على جود جميع أفراد الإنسان، وثانيًا جوده في رمضان على جوده في سائر الزمان، وثالثًا عند لقاء جبريل ومدارسته القرآن، فإنَّه حينئذٍ كان أجود ممَّا يتصور في الأذهان، وما ذاك إلَّا لإتيان أفضل ملائكة الرَّحمن إلى أفضل سامع، بأفضل كلام من أفضل متكلِّم، في أفضل الزَّمان والمكان. وفيه تبيان أنَّ فضيلة الزمان وملاقاةِ صلحاء الإخوان لهم مزية للعبادةِ والإحسان،
ج 1 ص 107
وتحسين الأخلاق والإيقان والإتقان.
ومن فوائد الحديث الحثُّ على الجود والإفضال في كلِّ الأوقات والزِّيادة منها في رمضان، وعند الاجتماع بالصَّالحين. ومنها زيارة الصُّلحاء وأهل الفضل، ومجالستهم وتكرار زيارتهم، ومواصلتها إذا كان المزور لا يكره ذلك. ومنها أنَّ صحبة الصَّالحين مؤثرة في دين الرَّجل وعلمه، ولذلك قالوا لقاء أهل الخير عمارة القلوب. ومنها استحباب الإكثار من القراءة في رمضان. ومنها أنَّ القراءة أفضل من التَّسبيح، وسائر الأذكار، إذ لو كان الذِّكر أفضل أو مساويًا لها؛ لَمَا خصَّا القراءة عند الاجتماع في رمضان، لا يقال المقصود تجويدُ الحفظ؛ لأنَّ الحفظ كان حاصلًا، والزِّيادة فيه تحصل ببعض هذه المجالس. ومنها أنَّه يجوز أن يقال رمضان من غير ذكر شهر.
فائدة روى الشَّيخان عن أنس رضي الله عنه (( كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أعقل النَّاس، وأشجع الناس، وأجود الناس ) ) [خ¦2820] ، يعني وعلى هذا القياس. وقيل اقتصاره على هذه الثَّلاثة من جوامع الكلم؛ فإنَّها أمهات الأخلاق، إذ لا يخلو كل إنسانٍ من ثلاث قوى
العقلية وكمالها النُّطق بالحكمة. والغضبية وكمالها الشَّجاعة. والشَّهوية وكمالها الجود.
لكن في (( الجامع الصغير ) )برواية الشيخين، والترمذي، وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه (( كان أحسن الناس، وأعقل الناس ) ). الحديث. وبرواية مسلم وأبي داود عنه أيضًا (( كان أحسن الناس خلقًا ) ). وفي حديث ضعيف (( أنا أجوَدُ بني آدم، وأجوَدُهم بعدي رجل علَّم علمًا، فنشرَ علمه، ورجلٌ جاهدَ بنفسه في سبيل الله ) ).
ثمَّ كان من جوده صلَّى الله عليه وسلم أنَّه يبذل المال في سبيل الله، وللمؤلَّفة قلوبهم؛ إعلاء لدينه، ويؤثر الفقراء والمحتاجين على نفسه وأولاده، فيعطي إعطاءً يعجز عنه الأغنياءُ والملوك، ويعيش في نفسه عيشَ الفقراء، فربَّما كان يمرُّ عليه شهران، ولم تُوقد في بيته نار، وربما ربطَ الحجر على بطنه الشَّريف؛ من شدَّة الجوع، ومع هذا كان له قُوَّةٌ إلهيَّة في الجماع مع أنَّه كان متصبِّرًا في أمره مع كثرة نسائهِ.
وكذا في الشَّجاعة حتى صرع جمعًا
منهم ابن الأسود الجُمحي، وكان يقف على جلد البقر، ويُجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدمه، فيتفرز الجلد ولم يتزحزح عنه.
ومنهم ركانة حيث صرعه ثلاث مرَّات متوالياتٍ؛ لشرطه أنَّه إن صُرع أسلم.
وقد أتاه سبيٌ فشكت إليه فاطمة رضي الله عنها
ج 1 ص 108
ما تلقاه من الرَّحى أو الخدمة، وطلبت منه خادمًا يكفيها المؤنة، فأمرها أن تستعين عند نومها بالتسبيح والتحميد والتكبير من كل ثلاثًا وثلاثين إلَّا الأخير فتزيد واحدًا تكملة للمائة، وقال (( لا أعطيك وأَدَع أهل الصفة تطوي بطونهم من الجوع ) ).
وكسته امرأة بردة فلبِسَها محتاجًا إليها، فسأله فيها بعض أصحابه فأعطاه إيَّاها. وفي رواية مسلم (( أنَّه صلَّى الله عليه وسلم ما سئل شيئًا إلَّا أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين فرجع إلى قومه، فقال يا قوم أسلموا فإنَّ محمدًا يُعطي عطاء من لا يخشى الفقر ) ).
وروى الترمذي (( أنَّه حُمِلَ إليه تسعون ألف درهم فوُضِعتْ على حصير، ثمَّ قام إليها فقسمها فما ردَّ سائلًا حتى فرغَ منها ) ). (( وجاءته امرأة يوم حُنين فأنشدته شعرًا تُذكِّره به أيام رضاعته في هوازن، فرد عليهم ما قيمته خمسمائة ألف ) ). قال ابنُ دحية وهذا نهاية الردِّ الذي لم يسمع بمثله في الوجودِ من غاية الجود.
وروى البخاري [خ¦421] أنَّه أُتي بمال البحرين فأمر بصبِّه في المسجد، وكان أكثر مال أتي به فخرجَ إلى المسجد ولم يلتفتْ إليه، فلمَّا قضى الصَّلاة جاء فجلسَ إليه فما كان يرى أحدًا إلَّا أعطاه، إذ جاءه العبَّاس فسأله فقال خذْ فحثى في ثوبهِ، ثمَّ ذهب يُقِلُّهُ، فلم يستطع، فقال يا رسول الله، مُرْ بعضهم يرفعه إلي فقال (( لا ) )فقال ارفعه أنت عليَّ؟ فقال (( لا ) )، فنثرَ منه، ثمَّ ذهب يقله فلم يستطعْ فقال كالأوَّل، فقال (( لا ) )ثمَّ نثر منه، ثمَّ احتمله فأتبعه صلَّى الله عليه وسلم بصره؛ عجبًا من حرصهِ، فما قام صلَّى الله عليه وسلم ومنها درهم.
وقد أعطى المائة من الإبل جماعةً منهم أبو سفيان بن حرب، وابنه معاوية، والحارث بن هشام، وقيس بن سعد، وسهيل بن عمرو، وحُويطب بن عبد العزى، وأسد بن حارثة الثقفي، ومالك بن عوف، والعلاء بن حازم، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصين، والعباس بن مرداس، وغيرهم، وأعطى حكيم بن حزام مائة فسأله مائة أخرى فأعطاه صلَّى الله عليه وسلم.
ج 1 ص 109
بسم الله الرحمن الرحيم
لمَّا فرغ من بَدء الوحي شرع في ذكر جملة من أوصاف المُوحَى إليه، فأخرج حديث أبي سفيان في قصة هرقل.
ووجه مناسبته بالباب أنه متضمِّن لكيفيَّة حال الناس معه صلَّى الله عليه وسلم في ابتداء الأمر، وأنَّ الآية المكتوب بها إلى هرقل للدُّعاء إلى الإسلام ملتئمة مع الآية التي في الترجمة، وهي قوله تعالى {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ} [النساء 163] الآية؛ لأنه قال تعالى {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى 13] الآية فظهر أنَّه أَوْحى إليهم كلّهم أن أقيموا الدِّين، وهو معنى قوله {سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران 64] الآية.
[1] في (خ) (( من ) ).