427 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بضم الميم، والمثلثة، والنون المشددة (قَالَ حَدَّثَني) وفي رواية (يَحْيَى) أي ابن سعيد القطان (عَنْ هِشَامِ) بن عروة، أنه (قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) وفي رواية .
(أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) بفتح الحاء المهملة، أمَّ المؤمنين، اسمها رَملة _ بفتح الراء _ على الأصح، بنت أبي سفيان صخر الأموية، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش بتقديم الجيم على الحاء المهملة إلى الحبشة، فتوفي هناك، فتزوجها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهي هناك سنة ست من الهجرة، وكان النجاشي أمهرها من عنده عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبعثها إليه، وكانت من السابقات إلى الإسلام، توفيت سنة أربع وأربعين بالمدينة على الأصح.
(وَأُمَّ سَلَمَةَ) بفتح اللام، أم المؤمنين أيضًا، واسمها هند على الأصح،
ج 3 ص 225
بنت أبي أمية المخزومية، هاجر بها زوجها أبو سلمة إلى الحبشة، فلما رجعا إلى المدينة، مات زوجها، فتزوجها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد تقدم ذكرها في باب العظة بالليل [خ¦115] .
(ذَكَرَتَا) بلفظ التثنية للمؤنث من الماضي، من الذُّكر _ بضم الذال _، وفي رواية بالتذكير، وهو على خلاف الأصل. والأظهر أنَّه من النساخ، أو من بعض الرواة الغير المميزين.
(كَنِيسَةً) بفتح الكاف، وهي معبد النصارى، وفي موضع آخر «يقال لها ماريَة» [خ¦434] _ بتخفيف الياء _ البقرة، وبتشديدها القطاة الملساة.
(رَأَيْنَهَا) بصيغة جمع المؤنث من الماضي، وإنَّما جمع بناء على أنَّ أقل الجمع اثنان، أو على أنَّه كان معهما غيرهما، وفي رواية ، بصيغة التثنية على الأصل (بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ) أي تماثيل (فَذَكَرَتَا) من الذِّكر _ بكسر الذال _ (ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ أُولَئِك) بكسر الكاف ويجوز فتحها. (إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ) عطف على قوله كان، وجواب (( إذا ) )قوله (بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِيْكَ الصُّوَرَ) بكسر التاء المثناة الفوقية وبالياء الساكنة بدل اللام في (( تلك ) )، وهي لغة فيه، وفي رواية باللام.
(فَأُولَئِك) بالفاء، وفي رواية بالواو، والكاف مكسورة وقد تفتح (شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) والشِّرار _ بكسر الشين المعجمة _، جمع الشر، كالخيار جمع الخير، والتجار جمع التجر.
وأمّا الأشرار فقال يونس واحدها شر أيضًا. وقال الأخفش شرير مثل يتيم وأيتام.
قال القرطبي إنَّما صوَّرَ أوائلُهم تلك الصور، ليتأنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم، ويعبدوا الله عند قبورهم، ثم خلف من بعدهم خلف، جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أنَّ أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور، ويعظمونها، فعبدوها، فحذر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن مثل ذلك، سدًا للذريعة المؤدية إلى ذلك، وسدًا للذرائع في قبره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذ كان ذلك التحذير في مرض موته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما يشهد له ما وقع عند المؤلف في الجنائز [خ¦1341] ، من طريق مالك، عن هشام، حيث زاد في أوله (( لما اشتكى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) )، ومن طريق هلال، عن عروة [خ¦1390] ، بلفظ (( قال في مرضه الذي مات فيه ) ).
ولمسلم من حديث جندب،
ج 3 ص 226
أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال نحو ذلك، قبل أن يتوفى بخمس، وزاد فيه (( فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنِّي أنهاكم عن ذلك ) ).
هذا؛ وفائدة التنصيص على زمن النهي الإشارة إلى أنَّه من الأمر المحكم، الذي لم ينسخ، لكونه صدر في آخر حياته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولمَّا احتاجت الصحابة والتابعون إلى زيادة مسجده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة حوله، لئلا يصلي إليه العوام، فيؤدي إلى ذلك المحذور، ثم بنوا جدارين بين ركني القبر الشمالي، وحرفوهما، حتى التقيا، حتى لا يمكن لأحد أن يستقبل القبلة.
وقال ابن بطال وفي الحديث نهي عن اتخاذ القبور مساجد، وعن فعل التصاوير، وفيه دليل على تحريم تصوير الحيوان، خصوصًا الآدمي الصالح، وفيه منع بناء المساجد على القبور، ومقتضاه التحريم، كيف وقد ثبت اللعن عليه؟.
وأما الشافعي وأصحابه فصرحوا بالكراهة. وقيل المراد أن يسوي القبر مسجدًا، فيصلي فوقه.
وقال البيضاوي لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء، تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلة، يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثانًا، لعَنَهُم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومنع المسلمين عن مثل ذلك، فأمَّا من اتخذ مسجدًا في جوار صالح، وقصد التبرك بالقرب منه، لا التعظيم له، ولا التوجه إليه، فلا يدخل في ذلك الوعيد. انتهى.
وفي الحديث أيضًا جواز حكاية ما يشاهده المرء من العجايب، ووجوب بيان حكم ذلك على العالم به.
وفيه أيضًا ذمُّ فاعل المحرمات، وفيه أيضًا أنَّ الاعتبار في الأحكام بالشرع، لا بالعقل.
ثم رجال إسناد هذا الحديث كلهم بصريون. وقد أخرجه المؤلف أيضًا في «هجرة الحبشة» [خ¦3873] ، وأخرجه مسلم في «الصلاة» ، وكذا النسائي.