أما إن كان وجه الاستدلال بالآية دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء دون غيرهم، فلا دلالة في هذه الآية على ما ادعى، إذ أن سبب دعوتهم دون غيرهم أن المباهلة إنما تحصل بالأقربين إليه وإلا فلو باهلهم بالأبعدين في النسب -وإن كانوا أفضل- لم يحصل مقصود المباهلة، فإن أولئك -أي النصارى- يأتون بمن يعز عليهم طبعًا كأقرب الناس إليهم، فلو دعا رسول الله صَلّى عليه وسلّم قومًا أجانب لأتى أولئك بأجانب أيضًا، ولم يكن يشتد عليهم نزول المباهلة بأولئك الأجانب كما يشتد عليهم نزولها بالأقربين، فإن طبع المرء يخاف على أقربيه ما لا يخاف على الأجانب، والناس عند المهادنة تقول كل طائفة للأخرى: ارهنوا عندنا أبناءكم ونساءكم، فلو رهنت أجانب لم يرض أولئك ولا يلزم أهل الرجل أن يكونوا أفضل عند الله من غيرهم. ولو كان باقي بناته صلى الله عليه وسلم في الحياة لباهل بهن، ولو كان ابنه إبراهيم يعرف لباهل به، ولو كان عمّه الحمزة حيًا لباهل به، ونحن نعلم بالاضطرار أنه لو دعا أبا بكر وعمر وطائفة من الكبار لكانوا من أعظم شيء استجابةً لأمره، لكن ذلك -كما قلنا- لا يحصل به مقصود المباهلة.
وقوله:
هل أتى بمدح سواهم ... ... لا ومولى بذكرهم حلاها
وقال في الهامش (10/62) : (إشارة إلى نزول سورة الدهر فيهم وفي أعدائهم) اهـ.
قلت: هذا من التقول بلا علم، وإلا فأين إثبات صحة ما ادعاه؟ ويكفي في ردّه أن نقول: أن سورة (الإنسان) أو (الدهر) مكية بالاتفاق، وعلي لم يتزوج بفاطمة إلا بالمدينة بعد بدر -كما قلنا سابقًا- والحسن ولد سنة ثلاث والحسين سنة أربع للهجرة، فقول القائل: إنها نزلت فيهم، من الكذب الذي لا يخفي على من له علم بنزول القرآن وأحوال هؤلاء السادة الأخيار، ثم إن عليًا رضي الله عنه كان بمكة فقيرًا في عيال النبي صلى الله عليه وسلم ضمّه إليه لما أصابت أهل مكة سنة.
وانظر إلى ادعائه هنا الخالي من التخريج والعزو إلى أي مصدر.
ثم رأيت الزمخشري قد ذكر في الكشاف (4/197) حديثًا لا يصح ولا يثبت في قصة علي وفاطمة وجاريتهما ولم يذكر إسناده ولم يعزه لأحد، لكن قال الحافظ في تخريج الكشاف (ص:180) : رواه الثعلبي من رواية القاسم بن بهرام عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عباس، ومن رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: (( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ) ) [الإنسان:7] (( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ) ) [الإنسان:8] .
وزاد في أثنائه شعرًا لعلي وفاطمة رضي الله عنهما -ثم قال: قال الحكيم الترمذي: هذا حديث مزوق مفتعل لا يروج إلا على أحمق أو جاهل، رواه ابن الجوزي في (الموضوعات) من طريق أبي عبد الله السمرقندي عن محمّد بن كثير عن الأصبغ بن نباتة... فذكره بشعره وزيادة ألفاظ، ثم قال: وهذا لم نشك في وضعه) اهـ. وانظر (اللالئ المصنوعة) (1/371-374) .
قوله: (أليسوا حبل الله الذي قال: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا؟) وعزاه في الهامش (11/62) لتفسير الثعلبي عن جعفر الصادق.
وأقول: يحتاج هذا إلى صحة ثبوته عن جعفر بمعرفة إسناده وتحقيق صحته أولًا، وثانيًا: يحتاج إلى إصابة جعفر الحق في تفسيره هذا على فرض ثبوته عنه، فليس هو معصومًا عند أهل السنة حتى يحتج هذا الموسوي بقوله عليهم، ونحن ننازعه في كلا الأمرين.
أما الأول: فلم يقدم لنا ما يبين إسناده فضلًا عن صحته، وان عزاء للثعلبي في تفسيره، وهو قطعًا لم ينقله من تفسير الثعلبي، إذ لم يذكر له موضعًا فيه، إضافة إلى أن تفسير الثعلبي لم يطبع بعد، ولا أعلم بوجود مخطوطة له تحت الطبع، وقد عثرت على جزء واحد من تفسيره المسمى (الكشف والبيان في تفسير القرآن) لأحمد بن محمّد بن إبراهيم أبي إسحاق الثعلبي، وهو جزء مخطوط من أصل ثمانية أجزاء من تفسيره، وجدته في المكتبة القادرية في بغداد تحت رقم (س372 ف 58) مصور علوم القرآن، وقد تصفحت هذا المخطوط رجاء أن أجد ما ينفعني في تخريجاتي هذه، ولكن للأسف لم يحوِ هذا الجزء الا بعضًا من سور الأجزاء الثلاثة الأخيرة، من القرآن، فليس فيه المواضع التي ذكرها صاحب المراجعات.
ونحن نسأل: كيف تسنى لهذا الموسوي النقل من تفسير الثعلبي مع أنه لم يطبع، ولم يبين واسطته في ذلك؟ أهذا هو صنيع أهل العلم؟! أهذه هي الأمانة في النقل التي وصف بها؟! كيف يمكن لمسلم بعد هذا أن يأمن إلى تخريجات مثل هذاالموسوي وأقواله؟ وإن كان قد نقل ذلك من الصواعق المحرقة فكان الأجدر به التصريح بذلك لا كما ساقه في هامشه ذاك.