الصفحة 34 من 366

وأمّا دراية: فقد بينه شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة) فقال (1) : (وأيضًا فإنّه قال:(( إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ) [الشورى:23] لم يقل: الا المودة للقربى ولا المودة لذي القربى، فلو أراد ذلك لقال هكذا، كما قال الله تعالى: (( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) ) [الأنفال:41] وقال: (( فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) ) [الحشر:7] (( فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) ) [الروم:38] (( وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى ) ) [البقرة:177] فجميع ما أوصى به من حق ذوي قربى النبي أو ذوي قربى الإنسان هكذا، فلما ذكر قوله: (( إِلاَّ الْمَوَدَّةَ ) ) [الشورى:23] بالمصدر دون الاسم، دل على أنه لم يرد ذوي القربى، ولو أراد لقال: المودة لذوي القربى، ولم يقل (في) فإنّه لا يقال: أسألك المودة في فلان، ولا في قربى فلان، بل لفلان، ونقول: الرسول لا يسأل على تبليغ الرسالة أجرًا ألبتة، بل أجره على الله كما قال: (( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أجر ) ) [الفرقان:57] وقال: (( أَمْ تَسْأَلُهُمْ أجرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ) ) [الطور:40] وقال: (( إِنْ أجري إِلاَّ عَلَى اللَّهِ ) ) [يونس:72] ولكن الاستثناء منقطع كقوله: (( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أجر إِلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ) ) [الفرقان:57] .

ولا ريب أن محبة أهل البيت واجبة، لكن لم يثبت وجوبها بهذه الآية، ولا محبتهم أجر الرسول، بل هو مما أمرنا به فهو من العبادات... إلى أن قال: ولو كانت مودتنا لهم أجرًا له لم نُثَب عليها؛ لأنا أعطينا أجره الذي استحقه بالرسالة، فهل يقول هذا مسلم؟). انتهى كلام شيخ الإسلام.

ونحن إذ ننكر على هذا الموسوي استشهاده بهذه الآية على مطلوبه الفاسد؛ لا ننكر الوصاية بأهل البيت ولا ننكر وجوب محبّتهم -كما قال شيخ الإسلام- بل هو اعتقاد أهل السنة كما بيناه سابقًا، وهو الذي كان عليه سلف الأمة، وبالأخص صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال أبو بكر رضي الله عنه: ارقبوا محمّدًا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته. وقال لعليّ: والله لقرابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليّ أن أصلَ من قرابتي. وقال عمر بن الخطاب للعباس رضي الله عنهما: والله لإسلامك يومَ أسلّمتَ كان أحبّ إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم؛ لأن إسلامك كان أحبَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب.

قوله: (وهل هبط بآية المباهلة بسواهم جبريل؟) .

قلت: يعني بها قوله تعالى: (( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) ) [آل عمران:61] وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية دعا عليًا وفاطمة وابنيهما في المباهلة، ووجه استدلاله بهذه الآية أن الله سبحانه قال: (( وَأَنْفُسَنَا ) )ويعني بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليًا، ولكن لا دلالة في ذلك على الإمامة وعلى الأفضلية، بل على الفضل فقط، وهذا جهل منه في تفسير الآية أو مغالطة في ذلك، ومن قبله قاله ابن المطهر الحلي، والغالب أنه إنما نقله منه كحال معظم استشهاداته هنا، وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة) (2) على ذلك بما ينفي مساواة علي رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وسلم بدليل هذه الآية؛ لأن أحدا لا يساوي الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا اللفظ في اللغة لا يقتضي المساواة، بل يدل على المجأنسة والمشابهة، فالمراد بالأنفس الإخوان نسبًا أو ديناّ، فقوله تعالى: (( نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) ) [آل عمران:61] أي: رجالنا ورجالكم، أي: الرجال الذين هم من جنسنا في الدين والنسب، والمراد التجانس في القرابة والإيمان، ومما يدل عليه أيضًا قوله تعالى: (( لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا ) ) [النور:12] ولم يوجب ذلك أن يكون المؤمنون والمؤمنات متساوين، ومن جنسه أيضًا قوله تعالى: (( فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ) ) [البقرة:54] أي: يقتل بعضكم بعضًا ولم يوجب ذلك تساويهم، ولا أن يكون من عبد العجل مساويًا لمن لم يعبده. وكذلك غير متساوين، بل بينهم من التباين ما لا يوصف، ومن جنسه أيضًا: (( ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ ) ) [البقرة:85] .

(1) المنتقى (ص:451-452) .

(2) انظر: المنتقى (ص:457-358) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت