وقال في موضع آخر (1) : (فقوله تعالى:(( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ ) ) [الأحزاب:33] اذا كان بفعل المأمور وترك المحظور كان ذلك متعلقًا بإرادتهم وبأفعالهم، فإن فعلوا ما أمروا به طهروا... ثم قال: ومما يبين أن الآية متضمّنة للأمر والنهي قوله في سياق الكلام: (( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) ) [الأحزاب:30] - إلى قوله- (( وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ) [الأحزاب:33] (( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ ) ) [الأحزاب:34] فهذا السياق يدل على أن ذلك أمر ونهي، وأن الزوجات من أهل البيت، فإن السياق إنما هو في مخاطبتهن). انتهى كلام شيخ الإسلام، فجزاه الله خيرًا.
قوله: (هل حكم بافتراض المودة لغيرهم محكم التنزيل؟) وقال في الهامش (8/62) : (كلا! بل اختصهم الله سبحانه بذلك تفضيلًا لهم على من سواهم، فقال:(( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً -وهي هنا مودتهم- نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ -لأهل مودتهم- شَكُورٌ -لهم على ذلك- ) ) [الشورى:23] ) أهـ.
قلت: قبل الكلام على معنى هذه الآية وما ادّعاه فيها أحب أن ألفت النظر إلى محاولته ليّ النص لما يوافق هواه، فقد فسّر الحسنة بالمودة لأهل البيت، بينما هي عامة لكل حسنة؛ لأنها نكرة في سياق الشرط لا يمكن تخصيصها إلا بدليل واضح، ولا دليل له -والحمد لله- على ذلك.
وأما عن استدلاله بهذه الآية على وجوب مودة أهل البيت فهو ممتنع رواية ودراية، أما رواية فلثبوت تفسيرها بغير ذلك عن حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن العباس رضي الله عنهما كما رواه عنه البخاري (6/162) ، والترمذي (4/179) ، أنه سئل عن قوله تعالى: (( إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ) [الشورى:23] فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمّد؟ فقال ابن عباس: (عجلت، إنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطنٌ من قريش إلاّ كان له فيهم قرابة فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة) ، وبهذا التفسير أيضًا قال مجاهد وعكرمة، وقتادة، والسدي، وأبو مالك، وعبد الرحمن بن يزيد بن أسلم وغيرهم (2) ، وهناك قول ثانٍ في تفسير الآية عن ابن عباس أيضًا أخرجه الإمام أحمد (1/268، والطبراني في الكبير(11144) ، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا أسألكم على ما آتيتكم من البينات والهدى أجرًا إلاّ أن توادوا الله تعالى وأن تقربوا إليه بطاعته ) )وفي اسناده قزعة بن سويد الباهلي وهو ضعيف، كما في التقريب.
فعلى هذا يكون الحق في تفسير الآية هو القول الأول وأن الله تعالى أراد بقوله: (( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أجرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ) [الشورى:23] أي: قل يا محمّد لهؤلاء المشركين من كفار قريش: لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم مالًا تعطونيه، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني وتذروني أبلغ رسالات ربي، إن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة. قاله ابن كثير.
وأما ما ذكره هذا الموسوي من تفسيره للآية فيعد قولًا آخر وهو الذي ظنه سعيد بن جبير معنى الآية فرده ابن عباس رضي الله عنهما، وقال له: عجلت. أي: في تفسيرك، وهو أعلم أهل البيت بعد عليّ رضي الله عنه.
وهناك أثرٌ عن ابن عباس ربما يحتج به هذا الموسوي لتفسيره، أخرجه ابن أبي حاتم (3) من طريق علي بن الحسين، حدثنا رجل سماه، حدثنا الحسين الأشقر عن قيس عن الاعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: (( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أجرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ) [الشورى:23] قالوا: يا رسول الله! من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم؟ قال: (فاطمة وولداها رضي الله عنهم) اهـ. وإسناده ضعيف -كما قال ابن كثير- فيه رجل لا يُعرف من هو، وفيه أيضًا حسين الأشقر وهو ضعيف متهم بالرفض. كما في (الميزان) وغيره، وقد كذبه بعضهم.
هذا من ناحية إسناده، وأما متنه ففيه نكارة، فإن الآية مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة رضي الله عنها أولاد بالمرة فإنها لم تتزوج بعلي رضي الله عنه إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة، والحسن ولد سنة ثلاث، والحسين سنة أربع، فكيف يفسّر النبي صلى الله عليه وسلم الآية المكّية بوجوب مودّة من لا يعرف؟!
(1) المنتقى) (ص:179-180) .
(2) انظر (ابن كثير) (4/112) .
(3) تفسير ابن كثير) (4/112) .