الصفحة 32 من 366

ولا يرد حديث الكساء ما قلناه، فإن غايته شمول هذا الاسم -أهل البيت- وهذا الحكم -من هذه الآية- لهم ولغيرهم من أهل البيت، إضافة إلى أزواجه صلى الله عليه وسلم، ولولا حديث الكساء هذا لبقيت الآية -أعني آية التطهير- خاصة بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قدمنا شيئًا من الكلام في معنى حديث الكساء في الملاحظة الرابعة السابقة.

وعن دخول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحكم قال الإمام ابن كثير في تفسيره (3/483) : (وهذا نص في دخول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في أهل البيت ههنا؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولًا واحدًا إما وحده على قول أو مع غيره على الصحيح) اهـ. ومعنى قوله الأخير أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم هنّ المقصودات في الآية بلا خلاف، إما وحدهنّ على قول أو هنّ والباقون من أهل البيت على الصحيح.

وهذا الذي قلناه من أن هذه الآية نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم، هو الذي قال به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، كما رواه عنه ابن أبي حاتم (1) ، وهو الذي قال به عكرمة، فما عسى هذا الموسوي أن يقول عن ابن عباس؟

قال ابن كثير: (فإن كان المراد أنّهن كن سبب النزول دون غيرهن فصحيح، وإن أُريد أنّهن المراد فقط دون غيرهن ففي هذا نظر، فإنّه قد وردت أحاديث تدل على أنّ المراد أعمّ من ذلك) اهـ. ثم ساق أحاديث- في إسناد بعضها مقال- ومنها حديث الكساء وهو صحيح. ثم قال ابن كثير (3/486) : (ثم الذي لا شك فيه لمن تدبر القرآن أنّ نساء النبي صلى الله عليه وسلم داخلات في قوله تعالى:(( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ) [الأحزاب:33] فإن سياق الكلام معهنّ، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: (( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ) ) [الأحزاب:34] أي: واعملن بما أنزل الله تبارك وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم في بيوتكن من الكتاب والسنة -قاله قتادة وغيرُ واحد- واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس؛ أنّ الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصّدّيقة بنت الصّدّيق رضي الله عنهما أولاهنّ بهذه النعمة وأحظاهنّ بهذه الغنيمة، وأخصّهنّ من هذه الرحمة العميمة؛ لأنه لم ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي في فراش امرأة سواها، كما نصّ على ذلك صلوات الله وسلامه عليه) انتهى.

قلت: فلا تبقى بعد ذلك أي حجة في هذه الآية على ما استدل به هذا الموسوي، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

ثم رأيت كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة) حول معنى هذه الآية وبيان أنها لا تدل على مطلوبهم، إذ قال (2) : (وليس فيه -يعني حديث الكساء مضافًا إلى الآية- دلالة على عصمتهم ولا إمامتهم أصلًا، فهي كقوله تعالى:(( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ) ) [المائدة:6] وكقوله تعالى: (( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ ) ) [البقرة:185] وقوله: (( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ) ) [النساء:26] (( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) ) [النساء:26] فإرادته في هذه الآيات متضمنة لمحبته لذلك المراد ورضائه به وأنه شرعه، ليس في ذلك أنه خلق هذا المراد، ولا أنه قدره وأوجده، والنبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرّجس) فطلب من الله ذلك، فلو كانت الآية تتضمن الوقوع ولا بُدّ لم يحتج إلى الدعاء، وهذا على قول القدرية أظهر، فإن إرادة الله عندكم لا تتضمن وجود المراد، بل قد يريد ما لا يكون ويكون ما لا يريد، أفنسيتَ أصلكَ الفاسد؟ أما على قولنا فالإرادة نوعان: شرعية تتضمن محبة الله ورضاه كما في الآيات، وإرادة كونية قدرية تتضمن خلقَه وتقديره، كقوله تعالى: (( إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ) ) [هود:34] (( فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ) ) [الأنعام:125] ثم إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مذكورات في الآيات فبدأ بهنّ وختم بهنّ وسائر الخطاب لهنّ) اهـ.

(1) انظر (تفسير ابن كثير) (3/483) .

(2) المنتقى) (ص:446-447) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت