الصفحة 30 من 366

وأما معنى (الآل) ومن تشمل فقد ذكر الإمام ابن القيم في (جلاء الأفهام) (ص:119-126) أربعة أقوال لأهل العلم في معنى الآل: القول الأول: أنهم الذين حرمت عليهم الصدقة. القول الثاني: أنهم ذريته وأزواجه صلى الله عليه وسلم. القول الثالث: أنهم أتباعه إلى يوم القيامة. القول الرابع: أنهم الأتقياء من أمته صلى الله عليه وسلم.. وهذا ما جاء في تفسير (آل النبي صلى الله عليه وسلم) عن أهل العلم، وما ذهب إليه هذا الموسوي باختصاص آل النبي بعلي وذريته فهو فضلًا عن أن أحدًا لم يقل به، فليس هناك أي دليل عليه، ولا أي دليل يومئ اليه ولو عن بعد. وعلى سبيل التنازل فلو فرضنا صحة ما ادعاه بمعنى (آل النبي صلى الله عليه وسلم) فليس قوله أولى بالقبول من الأقوال الأخرى، ويلزم منه لاصحاب الأقوال الأخرى نظير ما أستنتجه هو من وجوب الصلاة عليهم، خصوصًا من يرى أنهم أزواجه صلى الله عليه وسلم ثم يسترسل بالاستنتاج حتى يصل إلى ما وصل إليه هذا الموسوي من أفضليتهم، لكنّه يقول ذلك عن أزواجه صلى الله عليه وسلم، وهذا ما لا يريده وما يرفضه هذا الموسوي نفسه، لكنّه هو الذي فتح على نفسه هذا الباب بجهله وعدم دقته في النظر في الأدلة.

وأما ما يخص (آل النبي صلى الله عليه وسلم) فالأصح من الأقوال هو القول الأول؛ لوجود معنى أحاديث تدل عليه، بل هو الذي صرح به الصحابي الجليل زيد بن أرقم رضي الله عنه راوي حديث غدير خم، إذ قال في نفس الحديث حين سأله حصين بن سبرة: ومن أهل بيته يا زيد! أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: (إنّ نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده) قال: من هم؟ قال: (هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس) قال: أكل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم. راجع (1) فهؤلاء كلهم هم آل محمّد صلى الله عليه وسلم وأهل بيته الذين نصلي عليهم في الصلاة، يضاف إليهم أزواجه صلى الله عليه وسلم، بل هن الوحيدات اللواتي جاء الحديث في بعض ألفاظه بذكرهن خاصة دون غيرهن، فهن أولى بالدخول من غيرهن.

فإن كان ما وصل إليه هذا الموسوي وما أنتهى إليه صحيحًا يلزم منه أن يحكم بكل ذلك على جميع أهل بيت محمّد صلى الله عليه وسلم ؛ أزواجه، وآل عباس وآل جعفر، وآل عقيل، وليس آل علي فقط، وهو ما لا يستطيع هذا الرجل حتى أن يفكر فيه ويأنف منه، فها نحن نلزمه الحجة من كلامه لبيان بطلان ما ذهب إليه ولله الحمد.

بقي أن نقول -من باب العدل والأمانة-: لربما يحتج هذا الموسوي وشيعته على مذهبهم من أن آل النبي صلى الله عليه وسلم هم آل علي فقط بحديث الكساء -وهو في صحيح مسلم- وقوله صلى الله عليه وسلم فيه: (اللهم إن هؤلاء أهل بيتي) مشيرًا إليهم، لكننا نقول: إنه نظير الحديث الذي قدمناه في لفظ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه ذكر أزواجه وذريته فقط دون غيرهم، فإنّه يحتج به من يقول: بأنّ آل النبي صلى الله عليه وسلم هم أزواجه وذريته فقط، وهو لا يقل في الدلالة عن الأول؛ لأنه ذكرهم تخصيصًا بدلًا من آله في الألفاظ الأخرى، ومع هذا ليس هو صحيحًا، بل هو من باب تعيين البعض، ومن باب ذكر بعض أفراد العام، والأولى الأخذ باللفظ الأعم الأشمل جمعًا بين الأحاديث.

وبمثل هذا الجواب نجيب عن حديث الكساء لمن احتج به على أن آل النبي صلى الله عليه وسلم هم آل علي فقط، بل ونعارض بالحديث الذي فيه ذكر الأزواج والذرية، فما يقوله عنه نقوله نحن في حديث الكساء، فلا إشكال عندنا- والحمد لله- ولا نُرد حديثًا صحيحًا ثبت عن المعصوم صلى الله عليه وسلم كما يفعل هذا الموسوي وزمرته.

وللشوكاني كلام مهم في رد من احتج بحديث الكساء على معنى الآل، فقال في (نيل الأوطار) (2/327-328) : (... ولكنّه يقال: إن كان هذا التركيب يدل على الحصر باعتبار المقام أو غيره فغاية ما فيه إخراج من عداهم بمفهومه، والأحاديث الدالة على أنهم أعمّ منهم كما ورد في بني هاشم وفي الزوجات مخصصة بمنطوقها لعموم هذا المفهوم، واقتصاره صلى الله عليه وسلم على تعيين البعض عند نزول الآية لا ينافي إخباره بعد ذلك بالزيادة؛ لأن الإقتصار ربما كان لمزية البعض أو قبل العلم بأن الآل أعمّ من المعينين، ثم يقال: إذا كانت هذه الصيغة تقتضي الحصر فما الدليل على دخول أولاد المجللين بالكساء في الآل، مع أن مفهوم هذا الحصر يخرجهم؟ فإن كان إدخالهم بمخصص وهو التفسير بالذرية وذريته صلى الله عليه وسلم هم أولاد فاطمة، فما الفرق بين مخصص ومخصص؟) اهـ.

وراجع أيضًا ما قاله الإمام ابن القيم في (جلاء الأفهام في الصلاة والسّلام على خير الأنام) في معنى (الآل) والصحيح من ذلك.

(1) صحيح مسلم) (4/1873) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت