الأول: بيان عدم انفراد الذهبي بتكذيب هذا الحديث، فقد سبقه إلى ذلك ابن معين، وأبو حامد الشرقي، وابن عدي، وابن الجوزي، وهؤلاء كلهم نقلنا قولهم سابقًا وموضعه في الرد على المراجعة (16) ، إضافة لمن حكى وضع هذا الحديث وكذبه عن هؤلاء الأئمة وأقرهم عليه، مثل الخطيب البغدادي، والحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) (1/12) ، وابن عراق الكناني في (تنزيه الشريعة) (1/398) ، وكذا الحافظ الهيثمي في (مجمع الزوائد) (9/133) فقد ذكر هذا الحديث بلفظ قريب من هذا وعزاه للطبراني في (الأوسط) ، ثم أشار إلى علته في ابن أخي معمر الرافضي، فاتضح بحمد الله عدم انفراد الذهبي بتكذيبه، بل انفرد الحاكم بتصحيحه وقبوله.
الثاني: بيان علة الحديث التي أوجبت وضعه وكذبه، والتي لم يفهمهما عبد الحسين هذا، ولن يفهمهما أصحابه. فكما هو معلوم وثابت عند أهل العلم، لا يكفي لثبوت صحة الحديث اتصال سنده ووثاقة رواته، بل يجب أيضًا خلوص الحديث من أي شذوذ أو علة، وهذا ما لم يتيسر لهذا الحديث، ففيه علة قادحة تتلخص في ابن أخي معمر الرافضي، وكان معمر- وهو شيخ عبد الرزاق هنا- يمكنه من كتبه فيدخل فيها ما ليس منها، ومنها هذا الحديث، وهذا ما ذكره الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) ، والحافظ في (تهذيب التهذيب) ، والذهبي في (الميزان) كلهم في ترجمة أبي الأزهر أحمد بن الأزهر الراوي عن عبد الرزاق، وهو السبب الذي دعا عبد الرزاق لأن يحدث بهذا الحديث سرًا؛ لا كما زعمه عبد الحسين هذا في هامشه، وهانحن نؤيد قولنا بما نقلناه عن أهل هذا الشأن بخلافه هو، ويمكن أن نضيف لهذه العلة ما يقويها أو يكون علة أخرى، وهي ما عند عبد الرزاق هذا من المناكير التي حدث بها بعد ما كبر وعمي في آخر عمره (1) وأحمد بن الأزهر أبو الأزهر هذا ممن روى عن عبد الرزاق بآخره لما بينهما من فارق كبير في الوفيات.
لكن أقول: مع كل ما سبق ليس في هذا الحديث- على فرض صحته- أي اختصاص لعليّ بالفضيلة، بل شأنه ما تقدم من الأحاديث في اشتراك عليّ مع غيره من الصحابة في مثل هذه الفضائل، وهو ما صرح به ابن الجوزي في (العلل) (2/218) بقوله: (موضوع ومعناه صحيح، فالويل لمن تكلف بوضعه إذ لا فائدة في ذلك) اهـ. ونحوه قول الذهبي في (الميزان) (2/613) وقد تقدم في الرد على المراجعة (34) . وأما قصة مالك بن دينار مع ابن جبير في سؤاله عن حامل راية رسول الله صلى الله عليه وسلّم - عند الحاكم (3/137) - فهي لا تصح، ففي الإسناد أحمد بن جعفر القطيعي، وقد تغير حفظه واختلط، وفيه أيضًا سيار بن حاتم، قال الحافظ: صدوق له أوهام. ثم في الإسناد أيضًا جعفر بن سليمان الضبعي وهو صدوق، لكنه شيعي فلا يقبل تفرده في مثل هذا الحديث كما مر في الرد على المراجعة (34) مع ذلك ففي القصة أن سعيد بن جبير إنما خاف من الحجاج لا من غيره، وأنه حين ذهب إلى مكة للحج فلقيه هناك مرة أخرى مالك بن دينار فسأله أجابه حينها، وهذا ما هو متحقق لعبد الرزاق تمامًا، إذ كان هو في صنعاء بعيدًا عن الحجاج وأمثاله، بل كان في ديار يكثر فيها التشيع، فبطل بذلك جواب هذا الرافضي واعتراضه، وبقي اعتراض الحافظ الذهبي قائمًا، ولله الحمد.
21-حديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعليّ: (يا عليّ! طوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب فيك) . أخرجه الحاكم (3/135) ، والطبراني في (الأوسط) (2) والخطيب في (تاريخ بغداد) (9/72) من طريق سعيد بن محمد الوراق، عن عليّ بن الحزور، قال: سمعت أبا مريم الثقفي يقول: سمعت عمار بن ياسر. قال الحاكم: صحيح الإسناد، فرده الذهبي بقوله: (قلت: بل سعيد وعليّ متروكان) قلت: وهو حديث باطل، مطعون في رجاله الثلاثة هؤلاء؛ أبي مريم الثقفي فمن دونه، وإليك البيان:
1-أبو مريم الثقفي هذا هو غير قيس المدائني أبي مريم الثقة، أما صاحبنا هذا فهو الذي يروي عن عمار وهو مجهول كما قال الدارقطني، والحافظ في التقريب أيضًا.
2-علي بن الحزور، قال النّسائي والحافظ في التقريب وغيرهما: متروك، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال ابن معين: لا يحل لأحد أن يروي عنه. وبه أعل الحديث الهيثمي في (المجمع) (9/132) . وساق الذهبي في ترجمته من (الميزان) حديثه هذا فقال: وهذا باطل.
3-سعيد بن محمد الوراق، قال الدارقطني وغيره: متروك. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن سعد وأبو داود والحافظ في التقريب: ضعيف.
وقد كذب هذا الحديث ورده أيضًا ابن الجوزي في (العلل المتناهية) (1/242) .
(1) انظر تفصيل حاله ضمن الرواة المئة (رقم 53) .
(2) مجمع الزوائد) (9/132) .