تريد أن تتصدق للجهاد بشعرها، وأنّها قصّت شعرها، وعفّرته بالتراب، وطلبت منه أن يأخذ ذلك الشعر ليكون عقالا وخطاما لخيل المجاهدين وأخبرته أنّ زوجها خرج يوما فلقي الله شهيدا وأنّ أولادها خرجوا للجهاد، فلقوا الله شهداء، ولم يبقى من أولادها إلا فتى عمره خمسة عشر عاما، ورغم صغر سنه إلاّ أنّه كان صوّاما قوّاما، حافظا للقرآن، فارسا مُجيدا للقتال، وكان من أجمل وأحسن الفتيان! وإن جاءها فسوف ترسله للجهاد معه وتقدّمه هدية لله، وترجوا له الشهادة [1] .
والشاهد من القصة هو حرص المرأة على الجهاد بالمال ومشاركتها أجر المقاتلين بالنفس في سبيل الله ونصرة الدين وابتغاؤها ما عند الله تبارك وتعالى.
اعلم رحمك الله أنّ الله يتقبّل النفقة من صاحبها مهما قلّت، ولا يجوز للمنفق أن يحتقر ويستقل نفقته ومعروفه، روى مسلم عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تحقرنّ من المعروف شيئا ولو أن تلق أخاك بوجه طلق)
ومعناه أن لا يستقل المسلم ما عنده من الخير، فإنّه وإن كان يسيرا قليلا فإنّ الله يجعله بالقصد الصالح كثيرا.
وجاء في مسند أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيب _ ولا يقبل الله إلاّ الطيب _ فإنّ الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل) [2] .
وذكر أنّ الأمير المجاهد عقبة بن نافع الفهري يتقبل أيّ نفقة في سبيل الله مهما قلّت، فإذا جاءته المرأة بالكبّة الصغيرة من الخيوط للجهاد في سبيل الله يقبلها منها، وإن جاءه الرجل بثلث دينار للجهاد في سيل الله يقبله منه!! فقيل له: لقد أغناك الله عن هذا القليل، فلماذا تأخذه؟ فقال: إني آخذه من صاحبه ليأجره الله عليه، ونعطيه نحن من عندنا فيأجرنا الله. وصدق رحمه الله فيما قال فإنّ الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجرا عظيما [3] .
(1) مشارع الأشواق 112.
(2) مسند أحمد 2/ 331.
(3) مشارع الأشواق 109.