وبالإضافة إلى الشعور بالوحدة والتقارب بين أجزاء هذا الكيان الكبير، يجد الإنسان نفسه أمام عبقريات بشرية استطاعت بإمكانات بسيطة أن تلبي احتياجاتها الحياتية. فالصنائع التي تضمها قرية الجنادرية كانت تؤكد على أننا لم نعرف الاستيراد إلاّ قليلًا. ومن المناظر التي استوقفتني كثيرًا منظر أحد الحدادين يقف في حفرة صغيرة وبيده أدواته وأمامه الكير أو موقد نار وهو يصنع بعض الأدوات الضرورية التي يحتاجها المزارعون والبناءون في أعمالهم؛ فقد كنّا نصنع الفؤوس والمساحي والمجارف ونصنع الأمشاط الحديدية، كما كنّا نصنع أدوات النجارين وغيرها من الأدوات. قد يقول قائل هذه الأدوات بدائية، فأقول إذا استطعنا أن نصنع هذه الأدوات حينذاك فلماذا لا نصنعها اليوم؟ والحديد من العناصر المهمة فقد وجد العلماء أن أصل جميع العناصر موجودة في الأرض إلاّ الحديد فلا بد أنه أتى من خارج الأرض، وهذا مصادق لقوله تعالى {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} ، ولأهمية الحديد فقد جاءت سورة كاملة باسمه هي سورة الحديد.
وكان المسلمون يصنعون من الحديد السيوف والدروع وغيرها من الأدوات. وقد توصل السلطان محمد الفاتح إلى صناعة أضخم مدفع في العالم صنعه له المهندس المسلم أوربان الذي زعم بعض المستشرقين أنه كان نصرانيًا وأن السلطان أغراه بالمال، بينما الحقيقة أن أوربان كان مهندسًا مسلمًا.