50 -وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى:
قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي: ابن مسرهد، قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المشهور بابن عُلَيَّة بضم العين وفتح اللام وتشديد الياء وكانت امرأة عاقلة نبيلة وقد ذكره المصنف منسوبًا إلى أمه علية في باب حب الرسول من الإيمان وذكره هنا منسوبًا إلى أبيه محافظة على ما سمعه من لفظ الشيوخ فلله دَرُّه ما أشد ضبطه.
قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية هو يحيى بن سعيد بن حيان (التَّيْمِيُّ) نسبة إلى تيم الرباب روى عنه أيوب والأعمش وهما تابعيان، وليس هو بتابعي، وهذه فضيلة، قال أحمد بن عبد الله: هو ثقة صالح مبرز صاحب سُنَّة، مات خمس وأربعين ومائة (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) بضم الزاي وسكون الراء هرم بن عمرو البجلي الكوفي، وقد سبق في باب الجهاد من الإيمان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.
(قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ) وفي رواية ابن عساكر: (صلى الله عليه وسلم بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ) أي: ظاهرًا لهم غير محتجب ولا ملتبس بغيره؛ فقد روى أبو داود والنسائي عن أبي فروة: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل فطلبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه قال: فبنينا له دكانًا من طين يجلس عليه وكنا نجلس بجنبته ) ).
واستنبط منه القرطبي استحباب جلوس العالم بمكان يختص به، ويكون مرتفعًا إذا احتاج لذلك لضرورة تعليم ونحوه، كذا في العيني.
(فَأَتَاهُ رَجُلٌ) أي: مَلك كريم في صورة رجل وهو جبريل عليه السلام لما في رواية في أصل اليونينية وفرعها: (( فأتاه جبريل ) )، وفي التفسير للمصنف: (( إذ أتاه رجل يمشي ) )، وفي رواية النسائي عن أبي فروة: (( فإنا لجلوس عنده إذ أقبل رجل أحسن الناس وجهًا وأطيب الناس ريحًا كأن ثيابه لم يمسها دنس ) ).
وفي رواية مسلم من طريق كهمس من حديث عمر رضي الله تعالى عنه: (( بينما نحن ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ) ).
وفي رواية ابن حبان: (( شديد سواد اللحية لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه ) ).
ولسليمان التيمي: (( ليس عليه سحناء السفر وليس من البلد فتخطى حتى برك بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم كما يجلس أحدنا في الصلاة ثم وضع يديه على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم ) ).
والسّحنَاء بفتح السين والحاء المهملتين والنون هي الهيئة وكذلك السحنة بالتحريك.
قال أبو عبيد: لم أسمع أحدًا يقولها أعني السحناء بالتحريك غير الفراء، كذا في العيني.
وهذه الرواية بينت أن الضمير في فخذيه في قوله في رواية مسلم: (( ووضع كفيه على فخذيه ) )راجع للنبي صلى الله عليه وسلم لا لجبريل، وبذلك جزم البغوي وإسماعيل التيمي، ورجحه الطيبي بحثًا؛ لأنه نسق الكلام.
ج 1 ص 340
ويدل عليه أيضًا حديث ابن عباس وأبي عامر الأشعري: (( ثم وضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم ) )خلافًا لما جزم به النووي، ووافقه التوربشتي؛ لأنه حمله على أنه جلس كهيئة المتعلم بين يدي من يتعلم منه وهذا وإن كان ظاهرًا من السياق لكن وضعه يديه على فخذي النبي صلى الله عليه وسلم ضيع [1] منبه للإصغاء إليه، وفيه: إشارة إلى ما ينبغي للمسؤول من التواضع والصفح عما يبدو من السائل من الجفاء، والظاهر: أنه أراد بذلك المبالغة في تعمية أمره؛ ليقوي الظن أنه من جفاة الأعراب، ولهذا تخطى الناس حتى انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم ولهذا استغرب الصحابة صنيعه، ولأنه ليس من أهل البلد وجاء ماشيًا ليس عليه أثر سفر، كذا في (( الفتح ) ).
وفيه أيضًا: فإن قيل: كيف عرف عمر أنه لم يعرفه أحد منهم؟.
أجيب: بأنه يحتمل أن يكون استند في ذلك إلى ظنه أو إلى صريح قول الحاضرين.
قلت: وهذا الثاني أولى فقد جاء كذلك في رواية عثمان بن غياث فإن فيها: (( فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا: ما نعرف هذا ) ).
فأفاد مسلم في رواية عمارة بن القعقاع سبب ورود هذا الحديث؛ فعنده في أوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( سلوني فهابوا أن يسألوه قال: فجاء رجل ) ).
ووقع في رواية ابن منده من طريق يزيد بن زريع عن كهمس: (( بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذ جاءه رجل فكأن أمره لهم بسؤاله وقع في خطبته ) ).
وظاهره: أن يجيء الرجل كان في حال الخطبة فإما أن يكون وافق انقضاءها، أو كان النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك القدر جالسًا وعبر الراوي عنه بالخطبة. انتهى.
ومما ينبغي أن يتنبه له: أن جبريل عليه السلام في هذه الواقعة لم يتمثل بصورة دحية لقول عمر رضي الله عنه: (( ولا يعرفه منا أحد ) ).
ودِحية رضي الله عنه كان معروفًا بينهم لا يشتبه على أحد منهم نعم كان الغالب عليه أن يأتي في صورة دحية لما تميز به من الجمال إلا أنه في هذه الواقعة قصد التعمية على الصحابة رضي الله عنهم فأتى في صورة أعرابي.
(فَقَالَ) زاد المصنف في التفسير: (( يا رسول الله ) ).
قال في (( الفتح ) ): فإن قيل: كيف بدأ بالسؤال قبل السلام؟.
أجيب: بأنه يحتمل أن يكون مبالغة في التعمية لأمره أو ليبين أن ذلك غير واجب أو سلم فلم ينقله الراوي.
قلت: وهذا الثالث هو المعتمد فقد ثبت في رواية أبي فروة بعد قوله: (( كأن ثيابه لم يمسها دنس حتى سلم من طرف البساط فقال: السلام عليك يا محمد فرد عليه السلام قال: أأدنو يا محمد؟ قال: ادن فما زال يقول أأدنو مرارًا ويقول له ادنه ) ).
ونحوه في رواية عطاء عن ابن عمر: (( لكن قال: السلام عليك يا رسول الله ) )، وفي رواية مطر الوراق: (( فقال: يا رسول الله أأدنو منك قال ادن ولم يذكر السلام فاختلفت الرواية هل قال له يا محمد أو قال يا رسول الله وهل سلم أو لا.
فأما السلام؛ فمن ذكره مقدم على من سكت عنه.
وقال القرطبي: بناء على أنه قال: يا محمد أنه أراد بذلك التعمية فصنع صنيع الأعراب.
قلت: وطريق الجمع بين الروايتين أنه بدأ أولًا بندائه باسمه لهذا المعنى ثم خاطبه بعد ذلك بقوله: يا رسول الله ووقع عند القرطبي أنه قال: السلام عليكم
ج 1 ص 341
السلام عليك يا محمد، فاستنبط منه أنه يستحب للداخل أن يعمم بالسلام ثم يخصص من يريد تخصيصه. انتهى.
والذي وقفت عليه من الروايات إنما فيه الإفراد وهو قوله: السلام عليك يا محمد. انتهى.
(مَا الإِيمَانُ) أي: ما متعلقاته.
قال في (( الفتح ) ): قيل: قدم السؤال عن الإيمان؛ لأنه الأصل وثنى بالإسلام؛ لأنه يظهر مصداق الدعوى وثلث بالإحسان؛ لأنه متعلق بهما، وفي رواية عمارة بن القعقاع بدأ بالإسلام؛ لأنه بالأمر الظاهر، وثنى بالإيمان؛ لأنه بالأمر الباطن.
ورجح هذا الطيبي؛ لما فيه من الترقي، ولا شك أن القصة واحدة اختلف الرواة في تأديتها، وليس في السياق ترتيب، ويدل عليه رواية مطر الوراق، فإنه بدأ بالإسلام، وثنى بالإحسان، وثلث بالإيمان، والحق أن الواقع أمر واحد والتقديم والتأخير وقع من الرواة. انتهى.
(فقَالَ) أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم (الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ) أي: تصدق بوجوده أزلًا وأبدًا، وبما له من صفات الكمال القديمة الواجبة له تعالى المقررة في علم الكلام، وبتنزهه عن أضدادها، وهي صفات النقص.
قال في (( الفتح ) ): دل الجواب على أنه علم أنه سأله عن متعلقاته لا عن معنى لفظه وإلا لكان الجواب الإيمان التصديق.
وقال الطيبي: هذا يوهم التكرار، وليس كذلك فإن قوله: أن تؤمن بالله يتضمن معنى أن تعترف به ولهذا عداه بالباء؛ أي: تصدق معترفًا بكذا.
قلت: والتصديق أيضًا يعدى بالباء فلا يحتاج إلى دعوى التضمين. انتهى.
وقال الكرماني: فإن قلت: ما وجه تفسير الإيمان بأن تؤمن وفيه تعريف الشيء بنفسه؟.
قلت: ليس تعريفًا بنفسه، إذ المراد من المحدود الإيمان الشرعي، ومن الحد الإيمان اللغوي أو المتضمن للاعتراف، ولهذا عدي بالباء؛ أي: أن تصدق معترفًا بكذا. انتهى.
وقال في (( الفتح ) )بعد نقله لكلامه: قلت: يعني أن قوله (( أن تؤمن ) )ينحل منه الإيمان، فكأنه قال: الإيمان الشرعي تصديق مخصوص، والذي يظهر أنه أعاد لفظ الإيمان للاعتناء بشأنه تفخيمًا لأمره، ومنه قوله تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس:79] في جواب: {مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس:78] ، وإلا لكان الجواب الإيمان التصديق. انتهى.
وفي القسطلاني: وقد وقع السؤال بما ولا يسأل بها إلا عن الماهية لكن الظاهر أنه عليه الصلاة والسلام علم أن سؤاله عن متعلقات للإيمان [2] لا عن حقيقته، وإلا لكان الجواب التصديق، وإنما فسر الإيمان بذلك؛ لأن المراد من المحدود الإيمان الشرعي، ومن الحد اللغوي حتى لا يلزم تفسير الشيء بنفسه، وحمله الآبي على الحقيقة معللًا بأن المسؤول بـ (( ما ) )بحسب الخصوصية أن يكون على الحقيقة لا عن الحكم، وعلى هذا فقوله: أن تؤمن إلى آخره من حيث أنه جواب السؤال المذكور يتعين أن يكون حدًا؛ لأن المقول في جوابه إنما هو الحد.
فإن قلت: لو كان حدًا لم يقل جبريل عليه السلام في جوابه صدقت كما في مسلم؛ لأن الحد لا يقبل التصديق.
أجيب: بأنه إذا قيل في الإنسان بأنه حيوان ناطق وقصد به التعريف فهو لا يقبل التصديق كما ذكرت وإن قصد بها أن الذات هي المحكوم عليها بالحيوانية والناطقية فهي دعوى وخبر، فيقبل التصديق، فلعل جبريل راعى هذا المعنى، فلذلك قال: صدقت، أو يكون قوله: صدقت تسليم، والحد يقبل التسليم، ولا يقبل المنع؛ لأن المنع طلب الدليل، والدليل إنما يتوجه للخبر، والحد تفسير لا خبر. انتهى.
(وَمَلاَئِكَتِهِ) جمع ملك، قيل: إنه غير مشتق، وقيل: وزنه فعل بالتحريك والميم أصلية، وقيل: معلٌّ بحذف الفاء والميم مزيدة، وأصله مفعل
ج 1 ص 342
من الألوكة، وهي الرسالة فيصير مألك بتقديم الهمزة على اللام، ثم قلب قلبًا مكانيًا فقدمت العين على الفاء، فصار مَلْأك وزنه مفعل، ثم نقلت حركة الهمزة إلى الساكن قبلها فحذفت الهمزة فصار ملك، وهذا قول المحققين من علماء التصريف، وزيدت التاء في ملائكة لتأكيد معنى الجمع، أو لتأنيثه لتأويله بالجماعة، وهم أجسام نورانية علوية قادرة على التشكل بما شاءت.
والإيمان بهم هو التصديق بوجودهم من علم منهم تفصيلًا فتفصيلًا وإلا فإجمالًا، وأنهم كما وصفهم الله تعالى به: {عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} [الأنبياء:26] {لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6] .
وقدمهم على الكتب والرسل نظرًا للترتيب الواقع في تحقيق الرسالة؛ لأنه تعالى أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول ولتقدمهم وجودًا على الرسل.
قال في (( الفتح ) ): وليس فيه متمسك لمن فضل الملك على الرسول. انتهى.
وثبت عند الأصيلي هنا زيادة: وسقطت لغيره للاكتفاء بالإيمان بالرسل فإن الإيمان بهم مستلزم للإيمان بما أنزل عليهم.
قال في (( الفتح ) ): واتفق الرواة على ذكرها في التفسير والإيمان بكتب الله التصديق بأنها كلام الله وأن ما تضمنته حق. انتهى.
وجملتها على ما ذكره النسفي وغيره: مائة كتاب وأربعة كتب.
(وَبِلِقَائِهِ) قال في (( الفتح ) ): هكذا وقعت هنا بين الكتب والرسل، وكذا لمسلم عن الطريقين ولم تقع في بقية الروايات، وقد قيل: إنها مكررة؛ لأنها داخلة في الإيمان بالبعث، والحق أنها غير مكررة، فقيل: المراد من البعث القيام من القبور والمراد باللقاء ما بعد ذلك، وقيل: اللقاء يحصل بالانتقال من دار الدنيا والبعث بعد ذلك، ويدل على هذا رواية مطر الوراق، فإن فيها وبالموت وبالبعث بعد الموت، وكذا في حديث أنس وابن عباس، وقيل: المراد باللقاء رؤية الله تعالى، ذكره الخطابي.
وتعقبه النووي: بأن أحدًا لا يقطع لنفسه برؤية الله تعالى، فإنها مختصة بمن مات مؤمنًا والمرء لا يدري بم يختم له فكيف يكون ذلك من شروط الإيمان؟ …
وأجيب: بأن المراد: الإيمان بأن ذلك حق في نفس الأمر، وهذا من الأدلة القوية لأهل السنة في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة إذ جعلت من قواعد الإيمان. انتهى.
وأقول: إنما يتم كونه دليلًا لو وافق الخصم على تفسير اللقاء بالرؤية فله أن لا يسلم أن المراد باللقاء الرؤية فلا يكون دليلًا فضلًا عن كونه قويًا، فليتأمل.
وقال الكرماني بعدما نقل كلام النووي: وأقول: فيه نظر، إذ لا مدخل لقطعه لنفسه، بل اللازم أن يقطع بأنه حق في نفس الأمر.
نعم: لو قيل: الرؤية من المسائل المختلف فيها وليست من ضروريات الدين فلا يجب الإيمان بها لتم له دسته [3] انتهى.
(وَرُسُلِهِ) وللأصيلي: أي: بأنه أرسلهم إلى الخلق لهدايتهم وتكميل معاشهم ومعادهم وأيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، فبلغوا عنه رسالاته وبينوا للمكلفين ما أمروا ببيانه، وأنه يجب احترامهم جميعهم ولا نفرق بين أحد منهم، وأنه تعالى نزههم عن كل وصمة ونقص فهم معصومون من الصغائر والكبائر قبل النبوة وبعدها على المختار.
قال ابن حجر المكي: بل هو الصواب، وما وقع في قصص يذكرها المفسرون، وفي كتب (( قصص الأنبياء ) )مما يخالف ذلك لا يعتمد عليه ولا يلتفت إليه، وإن جل ناقلوه كالبغوي والواحدي، وما جاء
ج 1 ص 343
في القرآن من إثبات العصيان لآدم عليه السلام، ومن معاتبة جماعة منهم على أمور فعلوها، فإنما هو من باب أن للسيد أن يخاطب عبده بما شاء، وأن يعاتبه على خلاف الأولى معاتبة غيره على المعصية، وقد قدمنا أنهم أفضل من سائر الملائكة بدليله، فإذا فضلوا المعصومين لزم كونهم معصومين بالأولى. انتهى.
وكما أن الإيمان بالرسل واجب كذلك الإيمان بالأنبياء، ولعله أريد بالرسل هنا مطلق الأنبياء من إطلاق الخاص، وإرادة العام بناء على المشهور من أن بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا، فكل رسول نبي ولا ينعكس عكسًا لغويًا، وأما على القول بالترادف فلا إشكال؛ لأن ذكر أحدهما يغني عن الآخر.
وفي (( الفتح ) ): ودل الإجمال في الملائكة والكتب والرسل على الاكتفاء بذلك في الإيمان بهم من غير تفصيل إلا من ثبتت تسميته فيجب الإيمان به على التعيين وهذا الترتيب مطابق لآية: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} [البقرة:285] .
ومناسبة الترتيب المذكور وإن كانت الواو لا ترتب بل المراد من التقديم أن الخير والرحمة من الله تعالى ومن أعظم رحمته أن أنزل كتبه إلى عباده والمتلقي لذلك منهم الأنبياء والواسطة بين الله وبينهم الملائكة. انتهى.
(وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ) زاد في التفسير: (( الآخر ) )، ولمسلم من حديث عمر: (( واليوم الآخر ) ).
قال في (( الفتح ) ): فأما البعث الآخر فقيل ذكر الآخر تأكيدًا كقولهم: أمس الذاهب، وقيل: لأن البعث وقع مرتين الأولى الإخراج من العدم إلى الوجود، أو من بطون الأمهات بعد النطفة والعلقة إلى الحياة الدنيا، والثانية: البعث من بطون القبور إلى محل الاستقرار وأما اليوم الآخر فقيل له ذلك؛ لأنه آخر أيام الدنيا أو آخر الأزمنة المحدودة، أو لأنه لا ليل بعده، ولا يقال: يوم إلا لما يعقبه ليل، والمراد من الإيمان به التصديق بوجوده وبما يقع فيه من الحساب والميزان والجنة والنار، وقد وقع التصريح بذكر الأربعة بعد ذكر البعث في رواية سليمان التيمي وفي حديث ابن عباس أيضًا، كذا في (( الفتح ) ).
تنبيه: قال في (( الفتح ) ): زاد الإسماعيلي في (( مستخرجه ) )هنا: (( وتؤمن بالقدر ) )وهي في رواية أبي فروة أيضًا وكذا لمسلم من رواية عمارة بن القعقاع وأكده بقوله: (( كله ) )وفي رواية كهمس وسليمان التيمي: (( وتؤمن بالقدر خيره وشره ) )، وكذا في حديث ابن عباس وهو في رواية عطاء عن ابن عمر بزيادة: (( وحلوه ومره من الله تعالى ) )، وكأن الحكمة في إعادة لفظ (( وتؤمن ) )عند ذكر البعث الإشارة إلى أنه نوع آخر بما يؤمن به؛ لأن البعث سيوجد بعد، وما ذكر قبله موجود الآن أو للتنويه بذكره لكثرة من كان ينكره من الكفار، ولهذا كثر تكراره في القرآن، وهكذا الحكمة في إعادة لفظ: (( وتؤمن ) )عند ذكر القدر كأنها إشارة إلى ما يقع فيه من الاختلاف فحصل الاهتمام بشأنه بإعادة لفظ تؤمن ثم قرره بالإبدال بقوله: (( خيره وشره، وحلوه ومره ) ).
ثم
ج 1 ص 344
زاده تأكيدًا بقوله في الرواية الأخيرة: (( من الله تعالى ) )والقدر مصدر، تقول: قدرت الشيء بتخفيف الدال وفتحها أقدره بالكسر والفتح قدرًا وقدرًا إذا أحطت بمقداره، والمراد: أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية، وعليه كان السلف من الصحابة وخيار التابعين إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقد روى مسلم القصة في ذلك من طريق كهمس عن أبي بريدة عن يحيى بن يعمر قال: (( كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني قال: فانطلقت أنا وحميد الحميري فذكر اجتماعهما بعبد الله بن عمر بن الخطاب وأنه سأله عن ذلك فأخبره بأنه بريء ممن يقول بذلك والله تعالى لا يقبل ممن لم يؤمن بالقدر عملًا ) ).
وقد حكى المصنفون في المقالات عن طوائف من القدرية إنكار كون الباري عالمًا بشيء من أفعال العباد قبل وقوعها منهم وإنما يعلمها بعد كونها.
قال القرطبي وغيره: قد انقرض هذا المذهب ولا نعرف أحدًا ينسب إليه من المتأخرين قال: والقدرية اليوم مطبقون على أن الله تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم أن أفعال العباد مقدورة لهم واقعة منهم على جهة الاستقلال وهو مع كونه مذهبًا باطلًا أخف من المذهب الأول، وأما المتأخرون منهم فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد فرارًا من تعلق القديم بالمحدث وهم مخصومون بما قال الشافعي إن سلم القدري العلم خصم يعني يقال له: أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم، فإن منع وافق أهل السنة وإن أجاز لزمه نسبة الجهل إلى الله تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. انتهى.
فإن قلت: كيف الجمع بين هذا الحديث المقتضي أن الإيمان عبارة عن التصدق بمجموع الأمور المتقدمة، وحديث أبي هريرة: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ) )مقتصرًا عليهما، إذ مقتضاه الاكتفاء بهما، وأن الإيمان يحصل بمجرد الإتيان بهما؟.
قلت: وجه الجمع بينهما أن الإيمان بالرسول يتضمن الإيمان بجميع ما علم مجيئه به عن ربه من الدين بالضرورة فالاقتصار عليهما يتضمن ما في هذا الحديث وفي غيره.
قال الشهاب ابن حجر المكي في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم ) ). الحديث.
ولا ينافي ما تقرر من توقف العصمة على هؤلاء الثلاثة ما هو معلوم بالضرورة أنه صلى الله عليه وسلم كان يعصم الدم بالشهادتين، ومن ثم اشتد نكيره على أسامة لقتله من قالهما، ولم يشترط على مريد الإسلام التزام صلاة ولا زكاة، بل روى أحمد أنه قبل إسلام من اشترط أن لا زكاة ولا جهاد، ومن اشترط أن لا يصلي إلا صلاتين، ومن اشترط أن يسجد من غير ركوع، ومن ثم قال أحمد: يصح الإسلام على الشرط الفاسد ثم يؤمر بشرائع الإسلام كلها وخبر: (( لم يكن صلى الله عليه وسلم يقبل من أجابه إلى الإسلام إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ) )الحديث ضعيف جدًا.
ووجه عدم المنافاة أنه وإن كان يقبل مجرد النطق بالشهادتين، لكنه لا يقر من نطق بهما على ترك صلاة ولا زكاة، ومن ثم أمر معاذًا لما بعثه إلى اليمن أن يدعوهم أولًا إلى الشهادتين،
ج 1 ص 345
وأن من أطاعه أعلمه بالصلاة ثم بالزكاة، وبهذا علم الجمع بين هذه الرواية، ورواية أبي هريرة الآتية المفيدة للعصمة بمجرد النطق بالشهادتين؛ لأن معناهما كما عرف أنه بهما يعصم، ويحكم بإسلامه، ثم إن أتى بشرائع الإسلام فظاهر وإلا قوتل ذو المنعة، وزعم أنه يقاتل، حتى يأتي بالثلاثة ابتداء التزامًا أو فعلًا، فيكون حجة على خطاب الكفار بالفروع منظور فيه بما في خبر مسلم يوم خيبر حين أعطى الراية لعلي ثم قال: على ماذا أقاتلهم؟! قال: (( على أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها ) ).
فجعل مجرد الإجابة إليهما عاصمة للنفوس والأموال إلا بحقها ومنه الامتناع عن الصلاة أو الزكاة بعد الإسلام كما فهمت الصحابة في القصة الآتية فعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يعصم بمجرد الشهادتين ثم إن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وإلا لم يمتنع من قتالهم. انتهى.
(قَالَ) أي: جبريل يا رسول الله: (مَا الإِسْلاَمُ؟ قَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (الإِسْلاَمُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ) العبادة هي الطاعة مع الخضوع.
قال النووي: يحتمل أن يكون المراد بالعبادة معرفة الله تعالى، فيكون عطف الصلاة وغيرها عليها لإدخالها في الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقًا، فيدخل فيه جميع الوظائف، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها من عطف الخاص على العام. انتهى.
قال في (( الفتح ) ): أما الاحتمال الأول فبعيد؛ لأن المعرفة من متعلقات الإيمان، وأما الإسلام فهو أعمال قولية وبدنية، وقد عبر في حديث عمر هنا بقوله: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فدل على أن المراد بالعبادة في حديث الباب النطق بالشهادتين، وبهذا يتبين دفع الاحتمال الثاني، ولما عبر الراوي بالعبادة احتاج أن يوضحها بقوله: ولا تشرك به شيئًا، ولم يحتج إليها في رواية عمر؛ لاستلزامها ذلك. انتهى.
(وَلاَ تُشْرِكَ بِهِ) بالنصب، وللأصيلي: زيادة .
قال الكرماني: وذكر (( ولا تشرك به ) )بعد العبادة؛ لأن الكفار كانوا يعبدونه تعالى في الصورة، ويعبدون معه أوثانًا يزعمون أنها شركاء؛ فنفى ذلك.
(وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ) أي: تأتي بها محافظًا على أركانها وشرائطها ومكملاتها أو تداوم عليها، فتقيم من التقويم والتعديل، أو من الإقامة؛ أي: الملازمة والاستمرار والتشمير والنهوض، وحمله على تقيم إليها أو تقيم لها من الإقامة أخت الآذان بعيد لغة ومعنىً، قاله ابن حجر المكي.
وهي لغة: الدعاء، وقيل: الدعاء بخير وشرعًا أقوال وأفعال غالبًا مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، فدخلت صلاة الأخرس، ومن لم يلزمه إلا إجراؤها على قلبه على قول الشافعي رحمه الله تعالى، إذ لا تسقط عنده ما دام العقل موجودًا ومراده بالصلاة المكتوبة كما صرح به في مسلم واحترز بالمكتوبة عن النافلة، فإنها وإن كانت من وظائف الإسلام لكنها ليست من أركانه فتحمل المطلقة هنا على المقيدة ثمة جمعًا بين الروايتين.
(وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ) وهي لغة النماء والتطهير وشرعًا اسم للمخرج من المال؛ لأنه إنما يؤخذ من نامٍ ببلوغه النصاب، ولأنه ينمي الأموال بالبركة وحسنات مؤديها بالتكثير، أو لأنه يطهرها من الخبائث
ج 1 ص 346
الحسية والمعنوية ونفس المزكي من رذيلة البخل وغيره، أو لأنه يزكيه ويشهد بصحة إيمانه، واحترز بالمفروضة عن صدقة التطوع، فإنها زكاة لغوية، أو عن ما كانت العرب تفعله من دفع المال رغبة في الثناء والشهرة بالسخاء والجود فنبه بالمفروضة المؤداة؛ لامتثال أمر الله عز وجل على رفض ما كانوا عليه.
وقال الزركشي: الظاهر أنها للتأكيد. انتهى.
وشملت المفروضة ما كان منها واجبًا بالإجماع كزكاة الأنعام والنقدين، أو على الخلاف بالنسبة لمن اعتقد وجوبها اجتهادًا أو تقليدًا كزكاة الحلي المباح وبعض أنواع التجارة والفواكه، وإنكار المجمع عليه منها كفر؛ لأنه معلوم من الدين بالضرورة بخلاف المختلف فيه.
(وَتَصُومَ) من الصوم، وهو لغةً: الإمساك، وشرعًا: إمساك مخصوص (رَمَضَانَ) فيه دليل على عدم كراهة إطلاقه مفردًا أو مضافًا إليه لفظ شهر، وقيل: يكره، وقيل: إن لم تدل قرينة على أن المراد غير الله تعالى؛ لأنه من أسمائه.
قال ابن حجر المكي: ويرده الأخبار الصحيحة: (( إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة ) ).
وزعم أنه من أسمائه تعالى غير صحيح كيف ولم يرد فيه إلا أثر ضعيف، وأسماء الله تعالى توقيفية لا تطلق إلا بخبر صحيح، بل لو صح فيه خبر لم تلزم الكراهة؛ لتوقفها على النهي الصريح، ذكره النووي، ونازعه بعض الشراح من المالكية بما لا ينفع دليلًا، إذ حاصله أن أئمتهم لا يقولون شيئًا إلا لدليل وإن لم يعلم، وسمي شهر الصوم به؛ لأنهم لما أرادوا وضع أسماء الشهور وافق اشتداد حر الرمضاء فيه وهو مبني على أن اللغات غير توقيفية، والأصح خلافه. انتهى.
قال الكرماني: واقتصر على هذه الثلاثة؛ لكونها من أركان الإسلام وأظهر شعائره، والباقي ملحق بها وترك الحج، إما لأنه لم يكن فرض حينئذ، وإما لأن بعض الرواة شك فيه فأسقطه. انتهى.
وتعقب الاحتمال الأول صاحب (( الفتح ) )فقال: وهو مردود بما رواه ابن منده في كتاب (( الإيمان ) )بإسناده الذي على شرط مسلم من طريق سليمان التيمي في حديث عمر أوله: (( أن رجلًا في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )فذكر الحديث بطوله.
فكأنه إنما جاء بعد إنزال جميع الأحكام لتقرير أمور الدين التي بلغها متفرقة في مجلس واحد لتضبط وأما الحج فقد ذكر، لكن بعض الرواة إما ذهل عنه وإما نسيه، والدليل على ذلك: كثرة اختلافهم في ذكر بعض الأعمال دون بعض؛ ففي رواية كهمس: (( وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا ) )، وكذا في حديث أنس، وفي رواية عطاء الخراساني لم يذكر الصوم.
وفي حديث أبي عامر ذكر الصلاة والزكاة حسب ولم يذكر في حديث ابن عباس مزيدًا على الشهادتين.
وذكر سليمان التيمي في روايته الجميع وزاد بعد قوله (( وتحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتتم الوضوء ) ).
وقال مطر الوراق في روايته: (( وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ) )، قال: فذكر عرى الإسلام، فتبين بما قلناه: أن بعض الرواة ضبط ما لم يضبطه غيره. انتهى.
(قَالَ) أي: جبريل يا رسول الله: (مَا الإِحْسَانُ؟) (( أل ) )فيه للعهد؛ أي: الإحسان المذكور في القرآن المترتب عليه الثواب وهو مصدر أحسن، ويتعدى بنفسه وبغيره تقول: أحسنت كذا: إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان: إذا أوصلت إليه النفع، والأول هو المراد؛ لأن المراد إتقان العبادة.
قال في (( الفتح ) ): وقد يلحظ الثاني بأن المخلص مثلًا يحسن بإخلاصه إلى نفسه، وإحسان العبادة الإخلاص فيها والخشوع وإفراغ البال حال التلبس بها ومراقبة المعبود. انتهى.
وقال الطيبي: الإحسان على وجهين:
الأول: الإنعام على الغير نحو أحسن إلى فلان.
والثاني: الإحسان في الفعل وذلك إذا علم علمًا حسنًا أو عمل عملًا حسنًا، ويجوز أن يحمل
ج 1 ص 347
هنا على الإنعام وذلك؛ لأن المرائي يبطل عمله فيظلم نفسه فقيل له أحسن إلى نفسك واعبد الله كأنك تراه، وعلى المعنى الثاني كما في قوله تعالى: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:36] ؛ أي: المجيدين المتقنين في تعبير الرؤيا كأنه سأل ما الإجادة والإتقان في حقيقة الإيمان والإسلام، فأجاب: بما ينبئ عن الإخلاص، ولذا أخر السؤال عنه؛ ولأنه صفة الفعل أو شرط في صحته، والصفة بعد الموصوف، وبيان الشرط متأخر عن المشروط.
(قَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم مجيبًا له الإحسان (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ) أي: عبادتك الله تعالى وحذف المبتدأ هنا لقرينة ذكره في السؤال ولم يحذفه في جواب الإيمان والإسلام، بل أتى بهما على الأصل اهتمامًا بأمر الإيمان والإسلام؛ لأنهما من أركان الدين والإحسان من المكملات.
وقوله: (كَأَنَّكَ تَرَاهُ) في محل النصب من الضمير في تعبد؛ أي: تعبد الله شبيهًا بمن يراه قاله الكرماني.
وقال العيني: تحقيق الكلام هنا: أن (( كأن ) )لها أربعة معانٍ:
أحدها: وهو الغالب عليها التشبيه وهذا المعنى أطلقه الجمهور لـ (( كأن ) )، وزعم جماعة منهم ابن السيد أنه لا يكون إلا إذا كان خبرها اسمًا جامدًا نحو: كأن زيدًا أسد، بخلاف: كأن زيدًا قائم، أو في الدار، أو عندك، أو يقوم، فإنها في ذلك كله للظن.
والثاني: الشك، والثالث: التحقيق، والرابع: التقريب، قاله الكوفيون.
وحملوا عليه قوله: (( كأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل ) )فإذا علم هذا فنقول قوله (( كأنك تراه ) )ينزل على أيِّ معنى من المعاني المذكورة؟.
فالأقرب: أن ينزل على معنى التشبيه فالتقدير: الإحسان في عبادتك الله تعالى حال كونك في عبادتك مثل حال كونك رائيًا له.
وهذا التقدير أحسن، وأقرب للمعنى من تقدير الكرماني؛ لأن المفهوم من تقديره أن يكون هو في حال العبادة مشبها بالرائي إياه، وفرق بين عبادة الرائي بنفسه، وعبادة المشتبه بالرائي بنفسه.
وأما قول ابن السيد: فيحمل (( كأن ) )على معنى الظن؛ لأن خبرها غير جامد، فافهم. انتهى.
(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) تكن فعل الشرط وقوله: (( فإنه يراك ) )ليس جزاءً له؛ لأنه ليس مسببًا عنه كما في قولك: إن جئتني أكرمتك، فإن الإكرام مسبب عن المجيء وجزاء الشرط محذوف تقديره: فأحسن العبادة، فإنه يراك.
فلما كانت رؤية الله تعالى سببًا لإحسان العبادة نزل هذا السبب منزلة ذلك المسبب وهذا من حيث المعنى وأما من حيث الصناعة، فإنه محكوم على محله بالجزم؛ لكونه جزاء الشرط ولذا اقترن بالفاء كقول أبي الطيب:
~فإن تَفِقِ الأنام وأنت نائم فإن المسك بعض دم الغزال
أي: فلا بدع في ذلك ودليل ذلك أن المسك فاق جميع الدماء مع أنه دم الغزال، ومقتضى كلام الكرماني أن الحذف قول النحويين وعدم الحذف وهو تنزيل المذكور منزلة المحذوف قول البنائين [4] .
قال في (( الفتح ) ): وأشار في الجواب إلى حالتين أرفعهما أن تغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه حتى كأنه يراه بعينه وهو قوله كأنك تراه؛ أي: وهو يراك والثانية أن يستحضر أن الحق مطلع عليه يرى كل ما يعمل وهو قوله (( فإنه يراك ) )وهاتان الحالتان تثمرهما معرفة الله تعالى وخشيته.
وقد عبر في رواية عمارة بن القعقاع بقوله: (( أن تخشى الله كأنك تراه ) )وكذا في حديث أنس.
وقال النووي: معناه: إنك إنما تراعي الآداب المذكورة إذا كنت تراه ويراك؛ لكونه يراك لا لكونك تراه فهو دائمًا يراك، فأحسن عبادته وإن لم تره، فتقدير الحديث: فإن لم تكن تراه فاستمر على إحسان العبادة فإنه يراك.
قال: وهذا القدر من الحديث أصل عظيم من أصول الدين وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين وهو عمدة الصديقين وبغية السالكين وكنز العارفين ودأب الصالحين وهو من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم.
وقد ندب أهل التحقيق إلى مجالسة
ج 1 ص 348
الصالحين ليكون ذلك مانعًا من التلبس بشيء من النقائص احترامًا لهم واستحياء منهم، فكيف بمن لا يزال مطلعًا عليه في سره وعلانيته؟.
وقد سبق إلى هذا القاضي عياض وغيره، وسيأتي مزيد لهذا في تفسير (( لقمان ) )إن شاء الله تعالى. انتهى.
وقال القسطلاني: وهذا من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، إذ هو شامل لمقام المشاهدة، ومقام المراقبة، ويتضح لك ذلك بأن تعرف أن للعبد في عبادته ثلاث مقامات:
الأول: أن يفعلها على الوجه الذي يسقط معه وظيفة التكلف باستيفاء الشرائط والأركان.
الثاني: أن يفعلها كذلك، وقد استغرق في بحار المكاشفة حتى كأنه يرى الله تعالى، وهذا مقامه صلى الله عليه وسلم كما قال: (( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) )لحصول الاستلذاذ بالطاعة، والراحة بالعبادة وانسداد مسالك الالتفات إلى الغير باستيلاء أنوار الكشف عليه، وهو ثمرة امتلاء زوايا القلب من المحبوب واشتغال السر به، ونتجته نسيان الأحوال من العلوم، واضمحلال الرسوم.
الثالث: أن يفعلها، وقد غلب عليه أن الله تعالى يشاهده، وهذا هو مقام المراقبة فقوله: فإن لم تكن تراه نزول عن مقام المكاشفة إلى مقام المراقبة؛ أي: إن لم تعبده وأنت من أهل الرؤية المعنوية فاعبده، وأنت بحيث أنه يراك وكل من المقامات الثلاث إحسان إلا أن الإحسان الذي هو شرط في صحة العبادة إنما هو الأول؛ لأن الإحسان بالمعنيين الأخيرين من صفة الخواص ويتعذر من كثيرين. انتهى.
قال في (( الفتح ) ): وأقدم بعض غلاة الصوفية على تأويل الحديث بغير علم، فقال: فيه إشارة إلى مقام المحو والفناء، وتقديره: فإن لم تكن؛ أي: فإن لم تصر شيئًا وفنيت عن نفسك حتى كأنك لست بموجود، فإنك حينئذٍ تراه، وغفل قائل هذا للجهل بالعربية عن أنه لو كان المراد ما زعم لكان قوله: تراه محذوف الألف؛ لأنه يصير مجزومًا؛ لكونه على زعمه جواب الشرط، ولم يرد في شيء من طرق هذا الحديث بحذف الألف وإثباتها في الفعل المجزوم على خلاف القياس فلا يصار إليه، إذ لا ضرورة هنا.
وأيضًا: فلو كان ما ادعاه صحيحًا؛ لكان قوله: فإنه يراك ضائعًا؛ لأنه لا ارتباط له بما قبله، ومما يفسد تأويله رواية كهمس فإن لفظها: (( فإنك إن لا [5] تراه فإنه يراك ) )وكذا في رواية سليمان التيمي، فسلط النفي على الرؤية لا على الكون الذي حمل على ارتكاب التأويل المذكور.
وفي رواية أبي فروة: (( فإن لم تره فإنه يراك ) )ونحوه في حديث أنس وابن عباس وكل هذا يبطل التأويل المتقدم. انتهى.
وأقول: إشارات الصوفية معان ينتزعونها من النصوص الشرعية مع إبقائها على معانيها اللغوية كما في آية الوضوء فإنهم قائلون بما قاله الفقهاء فيها، ومع هذا ينتزعون منها الإشارة من غسل الوجه إلى إزالة محبة الوجاهة، ومن مسح الرأس مثلًا الإشارة إلى محو محبة الرياسة، وليس من لازم ذلك الجريان على القواعد العربية على أن العمدة في الرد على هذا الصوفي، ونسبته إلى الجهل، إثبات الألف في يراك وهو جائز عربية إذا كان فعل الشرط ماضيًا لفظًا ومعنى، أو معنى فقط كما في هذا الحديث، بل ادعى بعضهم أنه راجح بالنسبة إلى الجزم، لكن الصحيح أن الجزم أرجح.
قال ابن مالك في (( الخلاصة ) ):
~وبعد ماض وفعل الجزاء حسن ورفعه بعد مضارع وهن
وأما قوله: فلو كان ما ادعاه صحيحًا؛ لكان قوله: فإنه يراك ضائعًا، فغير مسلم لجواز أن يقدر له ما يحصل به الارتباط، نحو: فإن لم تصل إلى مقام الفناء فلا تقصر في عبادته فإنه يراك.
وأما تلك الروايات التي أوردها؛ فلا تقضي على هذه الرواية.
نعم: هي مبعدة لما ذهب إليه ولا يلزم منه نفي صحته، ويرد عليه أن هذا التوجيه يقتضي إثبات رؤية الله تعالى في الدنيا، وهو مخالف لصرائح الأحاديث الصحيحة التي منها، (( واعلموا: أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا ) ).
ويمكن الجواب عنه: بأنه لم يرد بقوله تراه الرؤية البصرية، بل الرؤية القلبية، وهي نوع انكشاف، فليتأمل.
وقال الشهاب ابن حجر المكي: قيل: وفي الحديث دلالة على أن رؤية
ج 1 ص 349
الله تعالى في الدنيا ممكنة عقلًا؛ لأن لم لنفي الممكن كزيد لم يقم بخلاف لا كالحجر لا يطير. انتهى.
وإمكانها في الدنيا عقلًا هو الحق، ومن ثم سألها موسى عليه السلام، ومحال أن يسأل نبي ما لا يجوز على الله تعالى؛ لأن ذلك جهل بالله وبما يجب له، ومستحيل عليه، والنبي معصوم منه قطعًا أما في الآخرة فهي ممكنة، بل واقعة كما صرحت به النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي كادت أن تتواتر، وخلاف المعتزلة في ذلك؛ لسوء جهلهم، وفرط عنادهم، وتصرفهم في النصوص بآرائهم القاصرة الفاسدة، نعوذ بالله من أحوالهم. انتهى.
تنبيه: قال الخطابي: اختلاف هذه الأسماء الثلاثة يعني: الإيمان والإسلام والإحسان يوهم افتراقها في أحكامها، وليس الأمر كذلك، إنما هو اختلاف ترتيب وتفصيل لما يتضمنه اسم الإيمان من قول وفعل وإخلاص.
ألا ترى حين سأله عن الإحسان قال: (( أن تعبد الله ) )كذا، وهو إشارة على الإخلاص في العبادة، ولم يكن هذا المعنى خارجًا عن الجوابين الأولين، فدل أن التفرقة في هذه الأسماء إنما وقعت بمعنى التفصيل، وعلى سبيل الزيادة في البيان والتوكيد، والدليل على أنه جعل في حديث الوفد هذه الأعمال كلها إيمانًا. انتهى.
(قَالَ) أي: جبريل عليه السلام (مَتَى السَّاعَةُ؟) قال في (( الفتح ) ): أي: متى تقوم الساعة، وصرح به في رواية عمارة بن القعقاع واللام للعهد، والمراد يوم القيامة. انتهى.
يشير إلى أن الظرف خبر مقدم ينبغي أن يكون متعلقًا بكون عام، لكنه تعلق هنا بكون خاص بقرينة التصريح به في الرواية الأخرى، وتعلق الظرف الواقع خبرًا بكون خاص جائز إذا دلت عليه قرينة كقولك: زيد على الفرس، فإن تقديره بحسب القرينة: راكب على أن تقدير العام هنا غير بعيد؛ أي: متى تكون الساعة أو تحصل ونحوهما والساعة لغة مقدار من الزمان غير معين كقوله تعالى: {مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} [الروم:55] .
وفي عرف المعدلين: جزء من أربعة وعشرين جزءًا من أوقات الليل والنهار وفي عرف أهل الشرع عبارة عن يوم القيامة، قاله العيني.
وسمي بها مع طول زمنه اعتبارًا بأول أزمنته، فإنها تقوم بغتة في ساعة حتى أن من تناول لقمة لا يمهل حتى يبتلعها {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا} [الزخرف:66] .
(قَالَ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم (مَا الْمَسْؤُولُ) ولأبي ذر زيادة: (بِأَعْلَمَ) الباء زائدة لتأكيد النفي (مِنَ السَّائِلِ) متعلق (( بأعلم ) ).
قال في (( الفتح ) )وزاد في رواية أبي فروة (( فنكس فلم يجبه ثم أعاد فلم يجبه ثلاثًا ثم رفع رأسه فقال ما المسئول ) )... إلخ. انتهى.
والمراد: ما المسؤول عن وقتها بأعلم من السائل لا عن وجودها إذ الوجود مقطوع به.
قال الكرماني: فإن قلت: لفظة (( أعلم ) )مشعرة بوقوع الاشتراك في العلم والنفي توجه إلى الزيادة فيلزم أن يكون معناه: أنهما متساويان في العلم به، لكن الأمر بخلافه؛ لأنهما متساويان في نفي العلم به.
قلت: اللازم ملتزم؛ لأنهما متساويان في القدر الذي يعلمان منه وهو نفس وجودها أو أنه صلى الله عليه وسلم نفى أن يكون صالحًا؛ لأن يسأل عن ذلك لما عرف أن المسؤول في الجملة ينبغي أن يكون أعلم من السائل. انتهى.
وأقول: مثل هذا التركيب يفهم منه بحسب العرف نفي الأصل والزيادة كقولك لا أعلم من فلان في البلد فإنه يفهم منه عرفًا نفي من يساويه أيضًا، فإن قيل: لمَ لم يقل لست بأعلم بها منك مع أنه أخصر؟.
قلت: إنما قال ذلك: إشعارًا بالتعميم تعريضًا بالسامعين؛ لينزجروا عن السؤال عنها.
ولذا قال القرطبي: مقصود هذا السؤال كف السامعين عن السؤال عن وقت الساعة؛ لأنهم كانوا قد أكثروا السؤال عنها كما ورد في آيات كثيرة وأحاديث، فلما حصل الجواب بما ذكر حصل اليأس من معرفتها، فكفوا عنه بخلاف ما مضى من الأسئلة، فإن المراد بها: استخراج الأجوبة ليتعلمها السائلون ويعملوا بها.
وفي (( الفتح ) ): وهذا السؤال والجواب وقع بين عيسى ابن مريم وجبريل أيضًا، لكن كان عيسى سائلًا وجبريل مسؤولًا.
قال الحميدي في (( فوائده ) ): ثنا سفيان: ثنا مالك بن مِغْوَل: عن إسماعيل بن رجاء: عن الشعبي قال: (( سأل عيسى ابن مريم عليهما السلام جبريل عن الساعة، قال: فانتفض بأجنحته، وقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ) ). انتهى.
وقال النووي: يستنبط منه أن العالم إذا سئل عما لا يعلم ينبغي له أن يصرح بأنه لا يعلمه، ولا يكون في ذلك نقص من مرتبته، بل يكون ذلك دليلًا على ورعه. انتهى.
ومن ثم قال علي كرم الله وجهه: وأبردها على كبدي إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول: لا أعلم.
وقال بعض السلف: إذا أخطأ العالم لا أدري فيما لا يدري، فقد أصيبت مقاتله.
(وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا) جمع شَرَط بفتحتين كقلم وأقلام؛ أي: علاماتها بدليل رواية مسلم قال: (( فأخبرني عن أماراتها ) )، وقيل: أوائلها ومقدماتها، وقيل: صغار أمورها.
قال في (( الفتح ) ): وفي التفسير: (( ولكن سأحدثك عن أشراطها ) )، وفي رواية أبي فروة:
ج 1 ص 350
(( ولكن لها علامات تعرف بها ) )، وفي رواية كهمس قال: (( فأخبرني عن أمارتها ) )فحصل التردد هل ابتدأه بذكر الأمارات؟ أو السائل سأله عن الأمارات؟!.
ويجمع بينهما: بأنه ابتدأه بقوله: وسأخبرك فقال له السائل: فأخبرني، ويدل على ذلك رواية سليمان التيمي ولفظها: (( ولكن إن شئت نبأتك عن أشراطها؟ قال: أجل ) ).
ونحوه في حديث ابن عباس وزاد: (( فحدثني ) )، وقد حصل تفسير الأشراط من الرواية الأخرى، وأنها هي العلامات.
ويستفاد من اختلاف الروايات: أن التحديث والإخبار والإنباء بمعنى واحد، وإنما غاير بينهما أهل الحديث اصطلاحًا. انتهى.
قال النووي: والمراد والله أعلم بأشراطها: السابقة لا المضايقة لها كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة.
وقال القرطبي: علامات الساعة على قسمين ما يكون من نوع المعتاد أو غيره، والمذكور هنا: الأول، وأما الغير: مثل طلوع الشمس من مغربهما، فتلك مقارنة لها أو مضايقة. انتهى.
(إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ) أي: القنة، وأل فيها للماهية دون الاستغراق؛ لعدم إطراد ذلك في كل أمة (رَبَّهَا) بالتذكير، وعند المؤلف في التفسير: (( ربتها ) )بتاء التأنيث على معنى النسمة ليشمل الذكر والأنثى، وقيل: كراهة أن يقال ربها تعظيمًا للفظ الرب تعالى، والتعبير بـ (( إذا ) )لتحقق الوقوع ووقعت الجملة بيانًا للأشراط نظرًا إلى المعنى، والتقدير: ولادة الأمة وَتَطاول الرُعَاة.
قال الكرماني: فإن قلت: الأشراط جمع وأقله ثلاثة على الأصح، ولم يذكر هنا إلا اثنان.
قلت: إما أنه ورد على مذهب من قال: أن أقله اثنان أو حذف الثالث؛ لحصول المقصود بما ذكر كما يقال أيضًا في قوله تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران:97] .
فإن قلت: لم ذكر جمع القلة والعلامات أكثر من العشرة في الواقع؟.
قلت: جائز؛ لأنه قد تستقرض القلة للكثرة، وبالعكس، أو لفقد جمع الكثرة للفظ الشرط أو؛ لأن الفرق بالقلة، والكثرة إنما هو في النكرات لا في المعارف. انتهى.
قال في (( الفتح ) ): وفي هذه الأجوبة نظر، ولو أجيب: بأن هذا دليل القول الصائر إلى أن أقل الجمع اثنان؛ لما بعد عن الصواب.
والجواب المرضي: أن المذكور من الأشراط ثلاثة، وإنما بعض الرواة اقتصر على اثنين منها؛ لأنه هنا ذكر الولادة والتطاول، وفي التفسير: ذكر الولادة، وتراوس الحفاة، وفي رواية محمد بن بشر التي أخرج مسلم إسنادها وساق ابن خزيمة لفظها عن أبي حيان ذكر الثلاثة.
وكذا في (( مستخرج ) )الإسماعيلي من طريق ابن علية، وكذا ذكرها عمارة بن القعقاع، ووقع مثل ذلك في حديث عمر، وفي رواية كهمس: ذكر الولادة والتطاول فقط، ووافقه عثمان بن غياث، وفي رواية سليمان التيمي ذكر الثلاثة، ووافقه عطاء الخراساني، وكذا ذكرت في حديث ابن عباس وأبي عامر. انتهى.
والمراد بقوله: (( ربها ) )على رواية التذكير، و (( ربتها ) )على رواية التأنيث: سيدها وسيدتها، وفي بعض الروايات: بعلها بمعنى سيدها، ومنه قوله تعالى: {أَتَدْعُونَ بَعْلًا} [الصافات:125] ؛ أي: ربًا.
قال في (( الفتح ) ): وقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في معنى ذلك.
قال ابن التين: اختلف فيه على سبعة أوجه فذكرها، لكنها متداخلة، وقد لخصتها بلا تداخل فإذا هي أربعة:
الأول: قال الخطابي: معناه: اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الشرك وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد منها بمنزلة ربها؛ لأنه ولد سيدها.
وقال النووي وغيره: أنه قول الأكثرين.
قلت: لكن في كونه المراد نظر؛ لأن استيلاد الإماء كان موجودًا حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك، وسبي ذراريهم، واتخاذهم سراري، وقع أكثره في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع بما سيقع قرب قيام الساعة.
وقد فسره وكيع في رواية ابن ماجه بأخص من الأول قال: (( أن تلد العجم العرب ) ).
ووجهه بعضهم: بأن الإماء يلدن الملوك، فتصير الأم من جملة الرعية، والملك سيد رعيته، وهذا لإبراهيم الحربي، وقربه: بأن الرؤساء في الصدر الأول كانوا يستنكفون غالبًا عن وطئ الإماء، ويتنافسون في الحرائر، ثم انعكس الأمر ولاسيما في أثناء دولة بني العباس، ولكن رواية: (( ربتها ) )بتاء التأنيث قد لا تساعد على ذلك.
ووجهه بعضهم: بأن إطلاق ربها على ولدها مجاز؛ لأنه لما كان سببًا في عتقها بموت أبيه أطلق عليه ذلك، ووجهه بعضهم بأن السبي إذا كثر، فقد يسبى الولد أولًا وهو صغير، ثم يعتق ويكبر ويصير رئيسًا، بل ملكًا ثم تسبى
ج 1 ص 351
أمه فيما بعد ويشتريها عارفًا، أو وهو لا يشعر بأنها أمه، فيستخدمها ويتخذها موطوءة، أو يعتقها ويتزوجها، وقد جاء في بعض الروايات: (( أن تلد الأمة بعلها ) )فحمل على هذه الصورة.
وقيل: المراد بالبعل: المالك، وهو أولى لتتفق الروايات.
الثاني أن تبيع السادة أمهات أولادهم، ويكثر ذلك، ويتداول الملاك المستولدة حتى يشتريها ولدها ولا يشعر بذلك.
وعلى هذا؛ فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد والاستهانة بالأحكام الشرعية، فإن قيل: هذه مسألة مختلف فيها، فلا يصلح الحمل عليها؛ لأنه لا جهل ولا استهانة عند القائل بالجواز.
قلنا: يصح أن يحمل على صورة اتفاقية كبيعها في حال حملها، فإنه حرام بالإجماع.
الثالث: وهو من نمط الذي قبله.
قال النووي: لا يختص شراء الولد أمه بأمهات الأولاد، بل يتصور في غيرهن بأن تلد الأمة حرًا من غير سيدها بوطء شبهة، أو رقيقًا بنكاح، أو زنى، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا، وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها أو ابنتها، ولا يعكر على هذا تفسير محمد بن بشر بأن المراد: السراري؛ لأنه تخصيص بغير دليل.
الرابع: أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام، فأطلق عليه ربها مجازًا لذلك، أو المراد بالرب المربي، فيكون حقيقة.
وهذا أوجه عندي؛ لعمومه، ولأن المقام يدل على أن المراد حالة مع كونها ت?