فهذه الألفاظ الإسلامية وغيرها كثير أصابها التطور الدلالي نتيجة التطور الاجتماعي والثقافي الذي طرأ على المجتمع العربي بعد مجيء الإسلام، وقد كان اللغويون الأوائل واعين لهذا الجانب من جوانب التطور اللغوي عارفين علله ومظاهره )) [1] .
و تغير العلاقة بين اللفظ والمدلول في الخطاب المدني يظهر في صورتين: إحداهما: تكون بإضافة مدلول جديد إلى كلمةٍ قديمة ذات مدلول خاص بها، والصورة الثانية: تكون بإضافة كلمة جديدة إلى مدلولٍ قديمٍ [2] . والصورة الأولى من صور التغير الدلالي استحوذت على اهتمام الدارسين حتى كادت تنسيهم الصورة الثانية، بعدِّ اللفظ ثابتًا ومعناه هو المتبدل، لذلك لم تلق الصورة الثانية من صور التغير الدلالي ـ وهي بقاء المعنى ثابتًا وتغير اللفظ الدال عليه ـ قدرًا كافيًا من الاهتمام، ويبدو أن الأسباب الخاصة بتغير معاني الألفاظ، هي أنفسها أسباب تغير الألفاظ ذاتها أيضًا [3] . فمن ذلك كلمة (الجهاد) [4] وهو اللفظ الذي جاء به الخطاب المدني بدلًا من الحرب والغزو والإغارة [5] ، فتغير الدال على الحرب لتغير مفهومها في الأذهان، يقول الدكتور خليل عودة: «والجهاد بهذه الصيغة لم تصادفني فيما قرأته وبحثت فيه من دواوين الشعر الجاهلي . » [6] . فهي استعمال إسلامي جديد ظهر في خطاب العهد المدني، إذ لم يشرع الجهاد قبل ذلك على المسلمين. (( ومن ذلك كلمة(الفتح) [7]
(1) التطور الدلالي في العربية ( 83-84 ) .
(2) ينظر: دور الكلمة في اللغة، لستيفن أولمان، ترجمة د. كمال بشر (152) .
(3) ينظر: فقه اللغة وخصائص العربية (217) .
(4) ينظر التوبة: 24، والممتحنة: 1.
(5) ينظر: لسان العرب، مادة (جهد) ، (3/134) .
(6) التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن (287) .
(7) ينظر المائدة: 52، والأنفال: 19، والنصر: 1..