بناء على ما ورد من تعاريف لعلماء الأصول في هذا الشأن نجد أن النسخ يكون في حق صاحب الشرع بيانًا لانتهاء مدة الحكم المطلق الذي كان معلومًا عند الله تعالى أنه ينتهي في وقت كذا إلا أن الله أطلقه قبل ورد الناسخ فصار ظاهره البقاء في حق البشر (1)
لذلك قال الجرجاني"فهو تبديل بالنظر إلى علمنا وبيان لمدة الحكم بالنظر إلى علم الله تعالى" (2) ، وهذا يرد عليه مثال ـ القتل ـ هو تغيير وتبديل في حق القاتل بينما هو بيان محض للأجل في حق الله تعالى .
قال الإمام السرخسي:"فكان النسخ بيانًا لمدة الحكم المنسوخ في حق الشارع وتبديلا لذلك الحكم بحكم آخر في حقنا على ما كان معلوما عندنا لو لم ينزل الناسخ ، بمنزلة القتل فإنه انتهاء الأجل في من هو عالم بعواقب الأمور ، لأن المقتول ميت بأجله بلا شبهة ، ولكن في حق القاتل جعل فعله جناية على معنى أنه يعتبر في حقه حتى يستوجب به القصاص وإن كان ذلك موتًا بالأجل المنصوص عليه في قوله تعالى: { فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } (3) . فمن فهم معنى التبديل بهذه الصفة عرف أنه ليس فيه من إيهام البداء شيء (4) "
الفصل الثاني
المبحث الأول
فلسفة النسخ"معنى النسخ"
عندما تكلمنا في التمهيد ومقدماته عن مدى الأهمية لهذا البحث
الذي يكشف لنا السّتائر على بعض الخبايا التي توجد في فروع هذا العلم من معرفة الحقيقة الموصلة إلى الرّد على هؤلاء القوم الذين أثاروا بعض الشبه في شأن القرآن الكريم وذلك بمسألة خلق القرآن ومسألة البداء فيه .
نقول وبالله التّوفيق:
نحن نعلم أنّ الله سبحانه وتعالى جلّت صفاته هو الآمر فوق كلّ آمر ، قد عَلِم ما سيكون قبل أن يكون ، وكيف يكون ما عَلم أنه سيكون ، وإلى متى يبقى ما قَدّر أنه سيكون .
(1) 28) انظر المدارك /243.
(2) 29) التعريفات الجرجاني /309.
(3) 30) الأعراف /34/ .
(4) 31) أصول السرخسي 2/54