واختلف في ماهية هذا الإيحاء إذ ذهب ابن عباس وقتادة إلى أنه الهام وقذف في القلب، وقال قوم كان قولًا في منامها، وذهب آخرون إلى أنه ملك أرسله الله إليها ليعلمها بذلك كما هو شأن مريم (عليهما السلام) فعلى هذا هو وحي اعلام لا وحي الهام [1] ، وقد رجّح ذلك أبو حيان قائلًا:"وهذا هو الظاهر لقوله - سبحانه وتعالى: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} " [2] ، واختلف في زمن هذا الإيحاء إذ ذهب قوم منهم القرطبي [3] ، وأبو حيان [4] ، والآلوسي [5] ، إلى أنه حصل بعد الولادة وعليه ثمة جملة محذوفة تقديرها: (وضعت موسى أمه زمن الذبح وخافت عليه) [6] ، في حين ذهب آخرون إلى أنه حصل قبل الولادة [7] .
ويلحظ من السياق أن أم موسى قد أصابها الخوف من هذا الحدث مرتين والحزن مرة واحدة، وقد كان سبب الخوفين مختلفًا إذ نشأ الأول نتيجة قتل فرعون لأبناء بني اسرائيل، فخشيت أن تصل إلى ابنها يده، في حين كان سبب الخوف الثاني إلقاءه في اليم إذ خافت عليه الغرق والضياع الذي قد يصيبه، وحزنت لفراقه جراء ذلك [8] .
ولعل من الضروري هنا الإشارة إلى الفرق بين الخوف والحزن، فالخوف غم يلحق الإنسان لأمر متوقع، والحزن غم يلحقه لأمر واقع [9] ، وقد نهاها - سبحانه وتعالى - عن كليهما وازالهما عن قبلها بقوله - سبحانه وتعالى: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} إذ ألمح هذا القول إلى نجاته وسلامته من القتل وتضمن البشارة لأمه بأنه سيكون له شأن عظيم [10] .
ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه الآية تعد من دقائق الإعجاز القرآني إذ تضمنت أمرين هما: (ارضعيه والقيه) ونهيين هما (لاتخافي ولا تحزني) وخبرين هما
(1) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 13/ 166.
(2) البحر المحيط 8/ 287.
(3) الجامع لأحكام القرآن 13/ 166.
(4) البحر المحيط 8/ 287.
(5) روح المعاني 20/ 45.
(6) ينظر: البحر المحيط 8/ 287.
(7) ينظر الجامع لأحكام القرآن 13/ 166.
(8) ينظر: معالم التنزيل، للبغوي / 973.
(9) ينظر: المفردات في غريب القرآن / 115 ـ 116، والتعريفات / 52، 60.
(10) ينظر: فتح البيان 10/ 91.