الكلام قد أخذ مجراه بعد أن أثار فتنته الجعد بن درهم والجهم بن صفوان ورسخ مفقولاته بشر المريسي وإبراهيم بن سيار النظام وغيرهم، كما كان أصحاب مدرسة الرأي قد تصادموا مع أصحاب مدرسة الحديث لكن الشافعي استطاع أن يرسخ مدرسة الحديث بالأصول التي وضعها لها في كتاب (الرسالة) .
في مثل هذا الجو ترعرع أحمد بن حنبل فكان له دور في تصحيح مسار الأمة، وفي تثبيت قواعد الصواب فيها، ففي مجال التصوف سدد مسيرة الأمة ونأى بها عن بدع التصوف وشركياته وألف كتاب (الزهد) الذي يعتبر أصلا في بناء القلوب ليواجه التصوف وانحرافاته.
وفي مجال تدعيم مدرسة الحديث في مواجهة مدرسة الرأي دعم أحمد بن حنبل ما بناه الشافعي وزاد عليه أن ألف (المسند) الذي جمع فيه آلاف الأحاديث ليكون للمسلمين (إماما) ، يحيي من خلاله سنن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وآدابه وطرائقه في مواجهة البدع والخرافات، وربط المسلم بجيل الصحابة عندما أخذ بفتوى الصحابي من أجل مزيد من الاقتداء بذاك الجيل المهدي الذي اقتبس من أنوار النبوة.
لكن الجهد الأوفى والأشهر من معارك أحمد بن حنبل هي معركة المواجهة مع الزنادقة والجهمية لذلك ألف كتابه (رسالة الرد على الزنادقة والجهمية) وقد كانت ذروة المواجهة فتنة القول بخلق القرآن، وكان القول بخلق القرآن سابقا على نشأته فقد قال به جعد بن درهم والجهم بن صفوان، وبشر المريسي الذي حاججه الشافعي، وقد تصدى علماء أمتنا لهذه الفتنة ومنهم ابن المبارك ومجاهد، ومالك، والشافعي، والحسن البصري، ومسلم، وأبو داود، والخلال مما كاد يجعل أثر تلك الفتنة محدودا، لكن هذا القول أخذ مسارا آخر عندما قال الخليفة المأمون بخلق القرآن في خلافته، ولم يقف الموضوع عند قوله بل تعداه إلى فرضه على الأمة، وزين له وزيره ابن أبي داود أن يمتحن علماء الأمة فباشر ذلك، وكتب إلى ولاته لكي يقوموا بذلك، فتصدى أحمد بن حنبل لذلك القول ورفض الإقرار به، ثم حمل من بغداد إلى المأمون الذي كان يقيم على الثغور آنذاك، ولكن المأمون توفي عندما كان أحمد بن حنبل في طريقه إليه، وتولى المعتصم الخلافة بعد المأمون، وأمضى القول بما كان يقول به أخوه، وثبت أحمد بن حنبل على قوله وهو أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وتعرض للسجن والتعذيب والأذى خلال خلافة المعتصم، ثم جاء بعده الواثق وقال بما قال به المأمون والمعتصم من خلق القرآن، لكن أحمد بن حنبل ثبت على رفضه القول بذلك، وحاور خصومه وأقام الحجة عليهم، ثم انتهت الغمة عندما جاء المتوكل، ورفع ذلك القول