التهلكة مع مرور الزمن، ولكن الشافعي رحمه الله هداه الله إلى الصواب فأدرك خطورة الانشقاق بين مدرستي الرأي والحديث وآثاره السيئة على الأمة، فأبرز حجية السنة وحشد الأدلة على ذلك فقمع فتنة كبيرة أوشكت أن تثمر شرا عظيما، وأوضح أن السنة مصدر آخر للحكم وأنها أنشأت أحكاما كثيرة، كما حشد البراهين على أن حديث الآحاد يفيد علما وعملا، وحصر اجتهاد الرأي بالقياس ووضع أصول القياس وأكد أنه لا بد من آية أو حديث تكون الأصل الذي يقاس عليه لاستخراج الحكم من خلال علة تجمع بين الأصل والفرع.
إن المتعمق في دراسة الساحة الفقهية قبل الشافعي يرى مدى الاضطراب الذي كانت تعيشه هذه الساحة، ويدرك قيمة النتيجة التي توصل إليها الشافعي في إعادة الأمة إلى طريق الصواب، ويدرك أن هذا الجهد كان جهدا مهديا بحق، ولذلك استحق لقب (ناصر السنة) ، ومجدد المائة الثانية للهجرة، وبالتالي كان أحد أعلام الطائفة الظاهرة.
3 -أحمد بن حنبل 164 - 241 هـ:
أحمد بن حنبل من أسرة شيبان، أبوه محمد بن حنبل، وجده حنبل بن هلال، وكان مقام أسرة شيبان في البصرة لذلك عرف أحمد بن حنبل بأنه بصري، انتقل جده إلى خراسان، وكان واليا على سرخس في العهد الأموي ثم والي الدعوة العباسية، وأبو محمد كان قائدا، وكانت أسرته بعد انتقالها إلى بغداد تعمل للخلافة العباسية.
ولد أحمد ببغداد سنة 164 من الهجرة في شهر ربيع الأول، وتذكر الروايات أن أباه مات وهو طفل فقامت أمه على تربيته، وترك له أبوه ببغداد عقارا يسكنه وآخر يعطيه كسبا قليلا يبعده عن سؤال الناس.
وقد اشتهر أحمد بين طلبة العلم، بالتقوى والصبر والجلد، وقد اتجه أحمد بن حنبل في أول شبابه إلى الحديث، فجمع حديث بغداد واستمر مقيما فيها من عام 179 للهجرة إلى عام 186 للهجرة، ثم ارتحل يجمع الحديث من البلاد الأخرى فسافر إلى البصرة والحجاز واليمن، فدون كل ما سمعه واجتمع له المسند الذي يعتبر من أضخم كتب الحديث.
إذن نشأ أحمد بن حنبل في بغداد التي كانت آنذاك في ذروة مجدها وملتقى التيارات الثقافية في العالم، وكانت بدأت دورة من الصراعات فيما بينها، فكان التصوف يجتهد في أن يحفر طريقه في حياة الأمة عن طريق الحارث المحاسبي والجنيد وغيرهما، كما كان علم