قبل أعدائه، لتختزل دماء مليون ونصف مليون شهيد، وتضحيات الشعب الأفغاني العزيز، الذين نتشرف معهم بانتسابناإلى أمة الإسلام جميعا، خير أمة أخرجت للناس. قدم الشعب الأفغاني المجاهد التضحيات نيابة عن أمتنا، بسواعد أبناءه المجاهدة، التي لم تهن في منتصف الطريق، وكانوا هم الأعلون في عقيدتهم وجهادهم وبطولاتهم. حين وقفوا أمام أعتى قوى الأرض بأحلافها-وارسو الشيوعي والناتو الرومي الصليبي - المجمعة على حرب الإسلام وأهله، بمباركة شرعيتها الدولية، ووفق قرارات شريعة الغاب في هيئة اللمم. كانت تجربة عميقة عشتها وكتبتها كما رأيتها، وهي تلقي الضوء على جانبا مهما من الحقيقة، وليست الحقيقة كلها. كان شعورا يؤرقني لضياع تلك التجربة مني، وعدم تدوينها بتفاصيلها في وقتها لتباعد الزمان والمكان، إذ ليس المخبر كالمعاين، فمن يرى الصورة شيء، ومن يرى حقيقتها شيء آخر. لم أكن أتصور حقيقة المعركة، وما يجري من أهوال في أفغانستان إلا بتثبيت من الله تعالى مقلب القلوب.
كنت حين أدخل أفغانستان، وأتأمل أرضها المباركة، فأرى معالمها قد شوهتها آلة الحقد العسكرية للشيوعية الملحدة، كما هو حال الصليبية النتنة في أفغانستان .. أنظر ما حولي من الأرض، فلا أجد الإ آثارا لقصف أو قذف أو حرق أو فساد في الأرض، حتى الخيول والكلاب والغنم والدجاج .. لم تسلم من جنون آلتهم العسكرية الضخمة والمرعبة. كانت تجربة مهولة و ثرية تشدني من أعماقي. ربما كانت تلك المرحلة أهم وأعمق وأقوى وأدق سنوات الجهاد الأفغاني، وذلك لثراء تلك المرحلة الجهادية وحساسيتها. في كل مرة أدخل أفغانستان، كنت أشعر بعظم تلك الأرض وبساطتها وبركتها، فقد اتصلت بها دماء الشهداء الأفغان، وأبناء الإسلام من شتى القبائل والشعوب. روتها دماء الشهداء لتقوى جذور تلك الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وممتد في قلب كل مسلم وفرعها في السماء، ليهتدي بها المسلمون وينعموا بأمنها وسلامها. كنت في كل مرة أدخل أفغانستان، أظنني لا أعود ثانية إلى بيشاور، فقد طلبت الشهادة كثيرا وتمنيتها، لكنني حرمتها ...
يا رب قد أخلصتهم فنجوا ... فمتى تمن عليّ يا رب
أما حين أدخل باكستان، فكنت أشعر بجفائها وخشونتها، حتى تولد لدي إنطباعا وشعورا يؤرقني لسنوات ... كنت أرى كلاب الأفغان شرسة ومتوحشة كالسباع، أما الكلاب في باكستان فكنا نراها بين أيدينا وأرجلنا، وربما نصطدم بالكلاب أو تصطدم فينا، فنظنها حجارة أو جمادا أوخلقا آخر، وذلك لضعفها ومسكنتها!! بل ربما كانت تحت الأسرة التي نأكل عليها في المطاعم وغيرها. تكررهذا المشهد معي كثيرا ومع غيري، فهو أمرمألوف في باكستان، كنا نشمئز منها ومن"قرفها". وطوال تلك السنوات، كنت أقول في نفسي ولغيري:"إن هذه الكلاب قد اكتسبت صفة شعوبها"ولقد صدق ظني وفراستي!. قبل أشهر حثني أحد إخوتي على كتابة تجربتي في أفغانستان، وقال لي: أنت شاهد في تلك المرحلة، فلم لا تكتب تجربتك. كان قوله بمثابة روحا نفث في روعي، ووقع في قلبي أيما وقوع، حيث لقي في نفسي قبولا مما دفعني للكتابة، وقد كنت مقتنعا من قبل بضرورة الكتابة ولم أجد عزما ... حينما بدأت الكتابة، لم أكن أتوقع أن يخرج بهذا المضمون، لكن الله تعالى يسره لي، وساقني للكتابة لحكمة يعلمها سبحانه. أثناء الطباعة كانت المعلومات تنساب من ذاكرتي، وتفاعلت مع الكتابة فتذكرت أشياء كثيرة، وأسهبت في الكتابة ... استعنت بمجلة