أما في الحديث الثاني، فنجد أن النبي الكريم قد استخدم الإغراء في هذا الحديث، فاستطاع من خلاله أن يركز على الجانب الإقناعي."في سياق صورة فنية اتخذت التشبيه وسيلة في التعبير لما فيه من خاصية أسلوبية في إبراز المعنى وتقريبه وتقريره في أذهان المخاطبين، من أجل حث القوم على الدخول في الإسلام عن طريق استثارة العقل"
والخيال" [1] . ولما في التشبيه من توكيد المعنى في نفوس المخاطبين عن طريق المبالغة في تحقيق الوصف [2] . فنلحظ أن هذا النوع من التوكيد اللفظي قد أدى دوره في التأثير والاستجابة والمبالغة في الأمر."
ومن استخدامه الاستعارة قوله:
"أثنى رجل على رجل، عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ويلك قطعت عنق صاحبك قطعت عنق صاحبك مرارًا ثم قال من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة فليقل احسب فلانًا، ... .." [3] .
لقد نهى النبي الكريم، في هذا الحديث، عن أن يمدح الرجل صاحبه، لأن المدح سوف يدخل الكبر والعجب عند الممدوح، ولربما ضيع العمل والازدياد من الخير اتكالًا على ما وصف به [4] . فاستعار النبي الكريم قطع العنق الذي هو القتل لاشتراكهما في الهلاك [5] . لكن هذا الهلاك في الدين وذاك من جهة الدنيا، والمعنى أوقعتموه في الإعجاب بنفسه الموجب لهلاك دينه [6] . فالاستعارة [7] تفي المعنى وتفعل في النفس ما لا تفعل الحقيقة وتفيد تأكيد المعنى والمبالغة فيه والإيجاز وتحسين المعنى وإبرازه، ثم هي إلى جانب ذلك كله طريق للتوكيد والتجديد، لأنها تكشف عن صور جديدة ومعان بديعة [8] . فمن تعاضد الاستعارة مع التوكيد اللفظي برز المعنى وتقرب وتقرر في ذهن المخاطب. ثم قال (عليه الصلاة والسلام) بعد ذلك
(1) أساليب الطلب في الحديث الشريف: 28.
(2) الأسس النفسية لأساليب البلاغة العربية: 199.
(3) صحيح البخاري: 2/ 106.
(4) فتح الباري: 13/ 88.
(5) إرشاد الساري: 4/ 499.
(6) التركيب اللغوي الاصطلاحي النبوي في صحيح البخاري (دراسة دلالية) : 68.
(7) الاستعارة:"استعمال اللفظ في غير ما وضع له في علاقة مشابهة بين المعنى المنقول عنه والمعنى المستعمل فيه، مع قرينة صارفة عن إرادة المعنى الأصلي، والاستعارة ليست إلا تشبيهًا مختصرًا، ولكنها أبلغ منه". ينظر، جواهر البلاغة: 303.
(8) البلاغة والتطبيق: 365.